مواجهة الحملات الإعلامية ضد المملكة بين الدفاع والهجوم

محاضرة في قصر التوحيد بإمارة منطقة القصيم

ضمن البرنامج الثقافي لسمو أمير منطقة القصيم.

د. عبدالله بن موسى الطاير

                                                             

 

مقدمة:

ارتباط شبه الجزيرة العربية بالإسلام وضعها في سياق حضاري رآه اليهود والمسيحيون مقابلا لحضاراتهم التي سبقت الإسلام، فكانت المكان (شبه الجزيرة العربية) والإنسان (المسلم) في علاقة صدام وهيمنة متبادلة مع القوى الحضارية السائدة عبر العصور. وهذه طبيعة التدافع كسنة كونية قال الله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين).

المملكة العربية السعودية ورثت المكان، بدلالته الحضارية المهمة؛ عقيدة وعرقا، وحضارة، وتاريخا.فاجتمعت لها كل مميزاته، وانصرفت إليها كل عداوته. ولذلك فإن الصورة الذهنية النمطية للمملكة في الخارج تختزل صورة الإنسان العربي المسلم. هذه الصورة تجمعت في ذهنية الآخر أيا كان مكانه ومعتقده من أحداث ومواقف، وروايات، ومدونات قديمة وحديثة، وجاء الإعلام وثورة الاتصالات الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي لتشكل فرصا وتحديات في ذات الوقت.

هذه المحاضرة سوف تنصرف مباشرة إلى دور الإعلام في صناعة الصورة الذهنية للمملكة العربية السعودية، والجهود المبذولة من قبل المملكة لمواجهة الآثار السلبية إما دفاعا عن الصورة لحمايتها من التشويه، وإما بمبادرات لتحسين الصورة القائمة. فهي بين دفاع وهجوم مستمرين منذ عقود من الزمن.

رحلة المعلومة: 

كانت بطون الكتب تمثل مصادر المعلومات الوحيدة، ومع تطور التقنية دخلت الصحيفة والمذياع والتلفزيون والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ساحة المنافسة في تقديم المعرفة. ولم تكن رحلة الحصول على المعلومة يسيرة ولا معبدة السبيل، فبعض المعلومات كان الحصول عليها ثمنه حياة إنسان، أما في الوقت الراهن فقد تراجع أو ربما اختفى دور البطل الذي تزرعه أجهزة أمنه الوطني في قلب مجتمع العدو (الجاسوس)، كما كسدت سوق العميل (الخائن)الذيتستخدمه قوى أجنبية فيجمع المعلومات عن بلده.

اليوم، ترفع الدول الأسعار، وتقلص المرتبات، ويرفع الدعم عن السلع الأساسية، ويمتعض المتضررون، ويئن المتذمرون، ويتشكل رأي عام معارض، وتنشأ ميادين افتراضية لحشد الراي العام على شبكات التواصل الاجتماعي. بمعنى لم يعد هناك شيء يمكن أن يخفى، فقدأصبحت المعلومات على قارعة الطريق وبالمجان لمن يريد أن يستثمرها.

أهمية المعلومات والبيانات لم تتراجع، وإنما تحول الاهتمام من جمع المعلومات إلى تحليلها والتأثير في توجيهها. لقد أنتج العالم في السنوات الثلاث الأخيرة من البيانات أكثر مما أنتجه منذ بدء التدوين،وكثافة المعلومات تمثل تحديات لا تقل في أهميتها عن جمع المعلومات قبل وسائل الإعلام الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي، ومن الطبيعي أن يتضاعف خطر تهديدهالأمن الوطني للدول[i].

ومنذ منتصف الثمانينات الميلادية، اهتمت الدول باستخدام التقنيات الرقمية والاتصالية لاحتكار المعلومات، وتوجيهها لخدمة مصالحها، ولتأسيس صناعة موازية للصناعة التقليدية، وتبلورت قوة مؤثرةتعرف باسم “القوة الناعمة”.

وبانضمامسلاح “القوة الناعمة” إلى منظومة الأسلحة التقليدية الدفاعية أو الهجومية تغير مفهوم الاستهداف والتصدي. وتبعا لذلك فإن الدول لم تعد بحاجة فقط إلى الجيوش التقليدية لحماية أمنها الوطني وإنما إلى جيوش قادرة على التعامل مع المعلومات:فتتوقع وترصد الخطر المحدقبالأمن الوطني، وتحلله، وتتدخل لاعتراضه، في الوقت المناسب.

وإذا كان الخوف قديما على سيادة أراضي الدول من عدو يهددها، فإن القلق اليوم على السمعة التي تصنع مكانة الدول في العالم وتمدها بالقوة أو توهن مقاومتها.

 

الصورة الذهنية للمملكة:

بدأت الدول تتنافس فيما بينها بالطريقة ذاتها التي تتنافس بها العلامات التجارية. لذلك، فالدولة القوية في سمعتها يكون لديها ميزة تنافسية كبيرة[ii]، والعكس صحيح. الصورة الذهنية أو “سمعة” بلد من البدان هي التي ينظر منها العالم الخارجي لمخرجات البلدان ومنتجاتها المادية والفكرية، ومجموعة الخبرات التي تراكمت عند الآخرين عنها، والتجارب والآراء، والمعلومات المتداولة في أقنية الاتصال المختلفة حول الأمة أو الدولة. وتستقى المعلومات عن سمعة الدولة من خلال ثلاث قنوات: 1-السياسة (الشؤون الداخلية والسياسة الخارجية)، و 2- الاتصالات والترفيه (الأفلام)، و 3- الشائعات. هذه القنوات تنقل من ضمن ما تنقل عن بلد من البدان رموزه الوطنية، والملابس والمباني النموذجية، والإيقاعات، والآداب والفنون، وطبيعة النظام السياسي، والعادات، والتراث التاريخي وغيرها[iii].

وتلعب المعلومات دورا مهما في صناعة الصورة الذهنية لأي بلد من بلدان العالم. فالدولة التي تملك معلومات إيجابية ضخمة أو محايدة، وتوجهها توجيها فاعلا فإنها تصنع لها صورة ذهنية تعبر عن قوتها، وتحمي مصالحها. بينما تكون الصورة الذهنية للدول الضعيفة في إنتاج المعلومات الإيجابية، وغير القادرة على الحد من تدفق المعلومات السلبية عنها رهينة لمن يملكون المعلومات ووسائل تصديرها، وقد يماثل هذا الخطر أو يفوق خطر الاستعمار العسكري المباشر.ويمكن أن نضرب على ذلك مثلا بإسرائيل التي تستمد قوتها من قدرتها على تصدير معلومات إيجابية عنها في الشيء الوحيد الذي تتفق فيه مع الغرب وهو الديمقراطية، وتحجب معظم المعلومات التي تعريها أمام العالم. كما أن العراق مثال آخر، فقد كان على حق في نفيه وجود أسلحة دمار شامل لديه، ولكن خصمه كان أقوى في ضخ المعلومات الخاطئة وحجب معلومات الطرف الضعيف.

        وإذا كان الرأي العام في أحد تعريفاته هو “اتفاق ضمني أو توافق قسط معين من المجتمع يمثل درجة معينة من الأهمية على مواجهة مشكلة معينة بطريقة معينة[iv]. وأن الإعلام في أفضل حالاته هو: “تزويد الجماهير بالأخبارالصحيحة والمعلومات السلمية والحقائق الثابتة التي تساعدهم على تكوين رأي في واقعة من الوقائع او مشكلة من المشكلات بحيث يعبر هذا الراي تعبيرا موضوعياً عن عقلية الجماهير، واتجاهاتها وميولها”[v]. فإن الإعلام سوف يلعب -والحالة هذه وفقا لقوته وسيطرته- دورا محوريا في تشكيل سمعة الدول وصناعة صورتها الذهنية وفق ما يحقق أهداف القائمين على العملية الاتصالية.

 

 

 

العوامل المؤثرة في صورة المملكة الذهنية:

لقد مرت الصورة الذهنية للمملكة منذ تأسيسها بعدة مراحل. وأسهم الإعلام الغربي في تشويهها بدءا من عصر الفيلم الأمريكي، ومرورابمراكز الدراسات ومخازن الفكر،ثم الإعلام الموجه العابر للقارات، وصولا إلى عصر البيانات الضخمة، ومخرجاته وتطبيقاته المتنوعة؛ فمن صورة القيم المشتركة، وروح التحرر، والحكمة والصداقة الشخصية في عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت (1882-1945) إلى رعاة الجمال الأثرياء في الصحراء، والأعراب في المراقص والملاهي وكازينوهات القمار، ثم مؤخرا رعاة الإرهاب، الذين يريدون تدمير الحضارة الإنسانية. ومنذ 11 سبتمبر 2001م اقترن اسم المملكة “بالوهابية”، والسلفية، والسلفية الجهادية، والقاعدة، وداعش، وبوكو حرام. بل زعمت صحيفة الإندبندنتالبريطانية أن السعودية أخطر من جميع قوى الشر المعروفة (إيران وكوريا الشمالية والقاعدة وداعش).

        ومع الأخذ في الاعتبار ما سبق من نقاش فإن الحملات الإعلامية التي شنت على المملكة من محيطها الإقليمي ومن القوى المسيطرة منذ توحيدها، ثم من الإعلام وجماعات الضغطالصهيونية، والمحافظين الجدد، والليبراليين الديمقراطيين تختلف عن الحملات التي توجه إلى أية دولة أخرى. فأساس هذه الحملات الإعلامية أبعد بكثير من الخلافات والاختلافات التي تنشأ بين الدول والأفكار والمعتقدات والثقافات والمصالح المتغيرة. فخلاف الدول الغربية مع كوريا الشمالية ومع إيران هو خلاف مع الأنظمة الحاكمة، أما الخلاف مع السعودية فهو خلاف مع الحكومة والمجتمع لأنهم لم يتمكنوا يوما من الفصل بين الشعب السعودي وقيادته. وحتى نصل إلى حقيقة هذه الهجمات الإعلامية فإنه يجدر بنا ذكر خمسة عوامل تؤثر بشكل مباشر في سمعة المملكة العربية السعودية سلبا وإيجابا وتكاد تنفرد بها المملكة، وهي:

  • الإسلام
  • دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية 1745-1811م
  • النفط
  • أحداث 11 سبتمبر 2001م
  • الرؤية السعودية عام 2017م

وفيما يلي نذكر باقتضاب العامل وإسهامه السلبي أو الإيجابي في سمعة المملكة:

العامل الأول: الإسلام

يعود التفاعل بين العالم الإسلامي والغرب إلى بداية الرسالة المحمدية، واستمرت العلاقة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد مماته، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الكيانات القبليةوالسياسية والحضارية.

وفي العصور الوسطى أو المظلمة في أوربا، كان ينظر إلى الإسلام على أنه منافس للمسيحية، فقد كان الأكثر إشعاعا وعدلا وجذبا للمسيحيين لأنه جمع بين الروح والمادة، مما سبب مخاوف القساوسةعلى العقيدة المسيحية من أي اتصال بين المسيحيين والإسلام. إن معلومات الغربيين عن الإسلام أساسها الكهنة الذين يكنون العداء للإسلام. وولدت في الكنيسة صورة ذهنية سلبية للإسلام وبقيت إطارا مرجعيا لما تلاها من كتابات وتصرفات.

وقد وصف بعض القساوسة المسلمين على أنهمالعرب البدو ونسبوا للرسول صلى الله عليه وسلم قصصا خرافية بهدف تنفير المسيحيين من الإسلام، وقد بقيت تلك القصص الموضوعة في أذهان الغربيين. وحتىترجماتالقساوسة النصارى للقرآن الكريم كانت تستصحباتهامات متجددة ضد الإسلام والمسلمين ولم تكن موضوعية بما يكفي لنقل معاني القرآن العظيمة كما هي. 

إن الانفتاح الغربي المسيحي لم يعزز قيم التعايش وقبول المسلمين كشركاء على هذه الأرض وإنما بقيت خرافات العصور الوسطى مستمرة كأساس لأفكار الغربيين على الإسلام.

وعلى الرغم من أن القرون المتأخرة في أوربا بعثت برسائل مبشرة بفهم أفضل للإسلام في أوربا حيث حاول الفيلسوف الألماني جوته فهم الإسلام بشكل صحيح، ونقل عنه توماسكارلايل قوله: “إذا كان هذا هو الإسلام فلماذا لا يجب علينا أن نعيش تحت مظلته؟” أما برنارد شو، الكاتب المسرحي الإيرلندي فقد كان معجبا متحمسا للإسلام وتوقع أن يكون الإسلام دين المستقبل لأوروبا والأوروبيين. إلا أن هذا الإعجاب أو على أقل تقدير الآراء الموضوعية عن الإسلام سرعان ما استخدمت لتغذية الهلع الغربي من الإسلام.

إن رجال الدولة في الغرب لايعرفون الكثير عن الإسلام، وبحكم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي زعيمة العالم المسيحي في هذا العصر فإنها تنظر بعدائية للإسلام حتى قبل أحداث 11 سبتمبر 2001م كما يقول بذلك الغربيون والأمريكيون أنفسهم.

ويروي عضو الكونجرس الأمريكي بول فندلي (1961 إلى 1983م) كيف تعرف على الإسلام والمسلمين. وكم كانت معلوماته مغلوطة ليس هو وحده بل جميع النخبة السياسية في واشنطن. ساقه قدره في مهمة التوسط للإفراج عن أحد المعتقلين الأمريكيين لدى حكومة اليمن الجنوبي الماركسية عام 1974م، وبدأ منذ ذلك الحين معرفة معلوماتمغايرة عن العالم الذي عرفه قبل تلك المهمة. كان بول فندلي يؤمن بالقيم الحضارية التقدمية المشتركة للمسيحية واليهودية التي يتربص بها على الجانب الآخر عدو يسمى المسلمون الذين يبدون له غريبي الأطوار، بعيدين ومثيرين للقلق. فهم رجعيون متخلفون ويهددون الحضارة الغربية. لكنه اكتشف منذ تلك الزيارةدينا عادلا وحضارة مسالمة وقيما إنسانية راقية عندما بدأ يتواصل مع العرب والمسلمين ويتعرف على قياداتهم الدينية والعلمية والتجارية في الولايات المتحدة الأمريكية ويقترب أكثر من قضيتهم العادلة، القضية الفلسطينية. لقد تحول منذ ذلك الحين إلى مناصر للقضية الفلسطينية وعدوا للوبي الصهيوني في أمريكا، وقد كلفه ذلك خسارة مقعده في الكونجرس الأمريكي عام 1983م وأصبح العدو الأول للإعلام والتنظيمات المتعاطفة مع إسرائيل.

ولسوء الحظ فإن معظم قطاعات وسائل الإعلام الدولية تخضع للسيطرة الصهيونية. كما أن بعض وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة في الغرب ترفع شعار الصدام الحضاري بدلا من التعايش. الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن) تحدث علانية عن حرب صليبة ضد المسلمين ​​فيأعقابالهجماتالإرهابيةعلىنيويوركوواشنطنفي 11 سبتمبر 2001 عندما وعد بتدشين حرب صليبية على المسلمين، ثم اعتذر في اليوم التالي في زيارة للمركز الإسلامي في واشنطن العاصمة.

إن الغرب وبشهادة مفكريهم المعتدلين وكتابهم الموضوعيين يشنون حملة معلوماتية بالتوازي مع الحملات العسكرية ضد الإسلام، ولكن تم استخدام مصطلح جديد لذلك هو “الإرهاب”. لاريب أن الكنيسة المسيحية قد ضعف تأثيرها كثيرا،ولم تعد بتلك القوة التي شكلت بها وعي الغرب المسيحي عن الإسلام، ولذلك فقد تسلمت الراية عقيدة جديدة تسمى “الليبرالية الديمقراطية”. ويصف الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- الليبرالية الديمقراطية بأنها “معتقد يؤمن به الإعلام الغربي وهي دين في مواجهة الديانات جميعا، ويتصرف الإعلامي الغربي من خلال هذه المرجعية”. مضيفا بأن نظرة الإعلاميين الغربيين إلى المجتمعات التي لا تسود فيها الليبرالية الديمقراطية تتراوح بين العداء العابر والكراهية العميقة. ويختم بأنه “لا يمكن أن يغير الصحفي الغربي عقائده الليبرالية إلا إذا غير المسلم المتدين عقيدته الدينية”. والواقع أن الليبرالية الديمقراطية في عداء حتى مع المتدينين المسيحيين وتعتبرهم متخلفين ورجعيين.

إن تجدد الحماس في التوجهات والأحزاب اليمينية المتطرفة سواء في أمريكا (المحافظون الجدد) الذين يرون أهمية الخروج من الأمم المتحدة، وفرض النظام الديمقراطي وطريقة الحياة الأمريكية على العالم، وتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط بالقوة.  أو في أوروبا بوصول الأحزاب اليمينية والنازيةإلى المجالس التشريعية، ينذر بمواجهة قادمة مع العالم الإسلامي، وبالطبع فإن المملكة هي المستهدف الأول.

النائب خيرت وليدرز زعيم اليمين المتطرف في هولندا نادى بحظر دخول القرآن الكريم هولندا، وعدم قراءته حتى في المساجد. وهو يبشر بوضع جديد في الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط حيث يرى أن “سقوط القدس في أيدي المسلمين، يعني سقوط أثينا وروما. لذا، إسرائيل هي خط الدفاع الأول عن الغرب. هذا ليس صراع حول الأرض بل معركة أيديولوجية، بين عقلية الغرب المحررة وأيديولوجية الإسلام الهمجية. هناك دولة فلسطينية مستقلة منذ عام 1946، وهي مملكة الأردن.” وعلى الرغم من أنه علماني ملحد إلا أنه “يعتز بالتاريخ المسيحي اليهودي الذي بني عليه المجتمع الأوروبي”، وهي سمة غالبة في النخب الغربية العلمانية أو الملحدة حيث تبقى المسيحية هوية ثقافية روحية لا يتخلون عنها، وبخاصة عند الأزمات.

ولذلك فإن العداء والهجوم الإعلامي على المملكة لا ينفك عن العداء للإسلام باعتبار أن المملكة قلب العالم الإسلامي النابض بالإيمان.

العامل الثاني: دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية 1745-1811م

أخذت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهابقوتها بالدعم السياسي الذي لقيته من الإمام محمد ابن سعود، أمير الدرعية آنذاك. هذا الحلف هدد مصالح الدولة العثمانية، والمصالح البريطانية، ومصالح أمراء وشيوخ القرى والهجر في نجد، ثم بعد ذلك جميع إمارات شبه الجزيرة العربية وما جاورها. لم يكن الخوف من القوة العسكرية للدولة السعودية الأول، وإنما من إقبال الناس عليها وتعلقهمبذلك التحالف. ولذلك كان يجب على أعداء الدولة السعودية الأولى محاربتها فكريا لصرف المسلمين عنها ومن ثم التدخل العسكري.

فماهي حقيقة هذه الدعوة وفقا لشهادات بعض معاصريها أو من كتبوا عنها ممن لا ينتمون لها؟

  • كتب المؤرخ الروسي فاسيلييف: “من ناحية الأصول الإسلامية يبدو أن الوهابيين من أنصار الاستقامة في الدين الحنيف. وهذا هو رأيهم، ورأي أغلبية الباحثين الموضوعيين من عرب وغيرهم، من معاصري حركتهم في بدايتها ومن أبناء الأجيال اللاحقة”.
  • وكتب فولني،قسطنطين فرانسوافي كتابه رحلات إلى سوريا ومصر في الأعوام 1783، 1784، 1785 والمنشور بالفرنسية عام 1807م: “إن فقهاء القاهرة المعارضين للوهابية عموما قد أعلنوا -على مضض-بأنهم لم يعثروا على أثر للزندقة في تعاليمها … وبعد أن قرأوا كتابا ألفه محمد بن عبدالوهاب أعلنوا بالإجماع أنه إذا كان هذا رأي الوهابيين فانهم – أي الفقهاء- يؤيدون هذه العقيدة دون قيد أو شرط”[vi].
  • وسرد فاسيلييف عدة شهادات للفقيه الجزائري الناصري الذي قال: “إن معتقدات الوهابيين صائبة تماما”، والمؤرخ البصري ابن سند الذي شهد بأن “الوهابيين هم حنبليو الأزمان السالفة”، والمتشرقل. كورانسيز”إن الوهابية هي الإسلام في نقاوته الأولى”.
  • ونقلبوركهاردتعن طه حسين قوله إن الوهابية هي “الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية”.

هذه النقولات وهي قليل من كثير توكد بأن الحركة الإصلاحية لم تأت بعقيدة جديدة، ولا مذهب مختلف عن المذاهب السنية الأربعة، ولكن لم يكن هناك من وسيلة لهزيمة الدولة السعودية الأولى عسكريا إلابتصويرها بأنها قد جاءت بدين مختلف وذلك لحشد المسلمين وأتباع المذاهب الأربعة والشيعة والصوفية ضد الدولة السعودية. ثم بعد ذلك كانت الحملة العسكرية على الدرعية.

وعلى الرغم من أنني لم أقف شخصيا على وجود شخص واحد من عائلة آل الشيخ، ولا من العلماء الذين “يسمونهم بالوهابية” ضمن الأربعين شخصا الذين رافقوا الملك عبد العزيز رحمهم الله لاستعادة الرياض، ومع ذلك كانوا يطلقون على الملك عبدالعزيز وجيشه “الوهابيين”. ألصق به الأتراك والبريطانيون وأمراء الأقاليم التي خافت منه على مصالحها صفة “الوهابية”، لتأليب الرأي العام عليه وتخويف المسلمين منه خاصة وأن الدولة العثمانية كانت ترفع لواء الإسلام حينذاك.

وحتى الآن فإن الغرب ينظر إلى محافظة الدولة السعودية على الإسلام، واتخاذها القرآن الكريم والسنة النبوية دستورا لها، وقبول المسلمين بها مرجعية دينية لهم، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وتميزها بخصوصية أملاها المعتقد وقداسة المكان على أن كل هذا إنما هو تطبيقات وهابية للدين الإسلامي.

ساعد في نشر هذه الفرية عدد من المسلمين الذين يختلفون مذهبيا أو طائفيا مع المملكة، وعدد من المثقفين الذين يدّعون الليبرالية وبخاصة في الإعلام العربي عموما والسعودي خصوصا. والأشد إثخانا في سمعة المملكة هي تلك الشهادات الصادرة من الداخل السعودي، وهي في غالبها إما صادرة من أشخاص لم يقبل المجتمع طروحاتهم وأفكارهم فهمشهم فلم يجدوا ما يدفعون به سوى أن هذا المجتمع وهابي إقصائي متخلف. أو أن لهم مشكلة مع الدولة ذاتها ولكنهم يستخدمون الوهابية في دفاعهم لإقناع الدول الغربية المؤثرة بأن هذه الدولة وهابية فيجدون لخطابهم آذانا صاغية في الأوساط البحثية والإعلامية وحتى الرسمية.

الخلاصة أن خطاب الغرب المعادي للإسلام قد تدرج نزولا من العداء للإسلام عموما إلى العداء للمسلمين السنة، ثم نزولا للسلفية، والتوقف بعد ذلك عند الوهابية وذلك حتى يحشدوا بقية المسلمين من مذاهب وطوائف ضد هذه الدولة تحديدا. وعلى هذه الأساس تم تصوير عنصر قوة المملكة الأول وهو الإسلام على أنه نقطة ضعفها مختزلا في”الوهابية”.

العامل الثالث: النفط

إحدى الصعوبات التي واجهها الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وهو يضع اللبنات الأولى لصورة المملكة في الخارجكانت عدم جاذبية المكان للآخر، وتوجس الشعب من المختلف. ولترويض المعوقات استقطب المؤسسمستشارينمن بيئات ثقافية أكثر تقدمية، فكان في البلاط الملكي رشاد فرعون، وحافظ وهبة ويوسف ياسين ومحمد معروف الدواليبي، ورشيد عالي الكيلاني، والدكتور عبداللهالدملوجي، وبشير السعداوي، وفؤاد حمزة، وجون (عبدالله) فيلبي، وغيرهم. وهكذا أرسل الملك عبدالعزيز للداخل والخارج رسالة واضحة بأنه يبني دولة مدنية مهتمة بالسلم العالمي والتعايش الإنساني، وأنه غير منعزل عن سياقه العروبي فقد كان أول عربي خالص يؤسس دولة عربية كاملة السيادة في شبه الجزيرة العربية في القرن العشرين، وكان ملهما للبعث العربي، وهو ما حدا بالملك فيصل بن الشريف عام 1920م إلى القول بأن ابن سعود هو الوحيد القادر على لم شمل العرب وتحريرهم من الاستعمار.

سمعة الحزم والعزم والشجاعة والتوق للتحرر من الاستعمار ومن التخلف وصلت إلى الرئيس فرانكلين روزفلت الذي عبر عن رؤيته للعلاقات بين أمريكا العظمى، والسعودية الناشئة بقوله: “هناك عدد قليل جدا من الأميركيين في الجزيرة العربية، وهناك عدد قليل جدا من عرب الجزيرة في أمريكا. وبالتالي فإن معرفة بعضنا لبعض بشكل أكبر في قادم الأيام، لن يؤدي فقط إلى صداقة دبلوماسية، ولكنه سوف يصل بنا إلى صداقة شخصية…لدينا الكثير من القواسم المشتركة، فكلانا يحب الحرية، كلتا الدولتين. وليس هناك من سبب يحول بين أمريكا والسعودية وبين الحفاظ على الحرية … وهناك الكثير لنتعلمه من بعضنا البعض. ولذلك آمل أن نكون قادرين في الأيام القادمة على مناقشة علاقاتنا ومصالحنا كأصدقاء”. الرئيس الأمريكي الذي كان يحتفل في آخر يوم من سبتمبر 1943م بالملك فيصل (وزير الخارجية آنذاك) الذي حضر إلى واشنطن نيابة عن أبيه وعن ولي العهد آنذاك (الملك سعود). لم يتوقف الرئيس روزفلت عند هذا الحد وإنما أضاف: “أعتقد أننا جميعا نعرف أن الملك (عبدالعزيز) هو شخص رائع جدا. كنت أقرأ بعد ظهر هذا اليوم مطبوعة مقتضبة، وكان كل شيء فيها عن الملك عبدالعزيز. وكانت هناك فقرة صغيرة واحدة في نهاية المادة أعجبتني كثيرا لأنها تنسجم مع فلسفتي الخاصة… إن ما يميز ابن سعود هو إيمانه بأن الصواب هو الذي ينتصر في نهاية المطاف (ما يصح إلا الصحيح)، وهو مؤمن أن الله الذي اغدق المطر على الجزيرة العربية في العصور القديمة هو الذي وهب بلاده النفط … ابن سعود  لا يتطلع فقط إلى نجاح بلاده وتقدمها وإنما يأمل في الخير والازدهار لبقية دول العالم … وفلسفته هذه (في حب الخير لنفسه وللآخرين) ليست فلسفة عربية فحسب وإنما أمريكية أيضا … ولذلك فإن العمل معا سيمكننا من الإسهام بجهدنا نحو عالم أكثر إشراقا، وعالم أكثر صدقا، في السنوات القادمة”[vii]. تمتعت المملكة العربية السعودية والمؤسس -رحمه الله- بسمعة إيجابية عند النخب الحاكمة في أمريكا، وتكرست في اجتماع قناة السويس بين الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت في 20 فبراير 1945م.

لقد كانت مبادئ الملك عبدالعزيز ثابته، ورأيه لم يتغير في الدول الاستعمارية، ولذلك رفض أن يسند امتيازات التنقيب عن النفط لأية دولة ذات تجربة استعمارية، واستبدل بريطانيا وفرنسا بأمريكا.

لم تستمر الصورة الذهنية السعودية بهذه الإيجابية في الولايات المتحدة الأمريكية وأروبا، وإنما مسها الكثير من التشويه منذ مجيء الرئيس ترومان، ونقضه تعهدات سلفه حول فلسطين، ثم لعب الصراع العربي الإسرائيلي دورا في تشويه صورة المملكة والسعوديين من قبل جماعات الضغط أو اللوبي الإسرائيلي في الغرب، وبخاصة في أمريكا بعد الحظر النفطي عام 1973م. أما السعودية فقد بقي أبناء الملك عبدالعزيز من الملك سعود وحتى الملك سلمان على نهج والدهم المؤسس في الجنوح للسلم والخير المشترك، والسلم العالمي والبناء والتنمية. لم يتغير شيء على الصعيد السعودي ولكن الآخرين تغيروا.

لقد فجّر حظر النفط عام 1973م ثورة حقيقية في السياسية الدولية والاقتصاد العالمي، وأربك أمريكا، ونال منهيبتها في الداخل والخارج[viii]، ويعتبر هذا الحدث نقطة تحول في سياسات أمريكا وحلفائها تجاه المملكة والدول العربية النفطية، وتكاد تكون الفترة من عام 1973م إلى 2001م ذات طبيعة تكتيكية في العلاقات الغربية السعودية.

نُظر إلى الحظر على أنه كارثة مأساوية على الأمن الوطني الأمريكي، وبذلك توجهت أمريكا إلى منطقة الخليج برؤية تعتبر النفط سلعة تهم الأمن القومي الأمريكي حيث أعلن الرئيس كارتر عام 1980م أن: “أي محاولة لأية قوة أجنبية للسيطرة على منطقة الخليج سوف يعتبر عدوانا على مصالح حيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسوف يتم التصدي لذلك العدوان بكل الوسائل الممكنة بما فيها القوة العسكرية” [ix]. وفي مقابل هذا الحزم قامت أمريكا بخفض اعتمادها على نفط الخليج حيث لم يشكل أكثر من 15% من مجمل استيرادها منذ ذلك الحين، وسجل عام 2013م 9% فقط[x].

تشويهسمعة المملكة فيما بعد عام 1973م شارك فيه المفكرون، والإعلاميون إلى جانب الاقتصاديين والسياسيين. وتم تصوير استحواذ المملكة العربية السعودية على الدين والنفط على أنه خطأ تاريخي لم يكن له أن يحصل لولا انشغال العالم بالحرب العالمية الأولى. ومن هنا بدأت حملة شنيعة لشيطنة المملكة بغض النظر عن حال العلاقات السياسية بين المملكة والحكومات الغربية. صورة الخليجي النمطية التي أنتجها الإعلام الغربي يمكن تلخيصها في عبارات قصيرة: (رجل أشعث أغبر، ذو بطن كبير، حوله الجواري الحسان، ويغرف دولارات من بئر نفط، ويخسرها في كازينوهات القمار). وذاعت هذه الصورة وطغت على كل ما عداها في الفترة التي أعقبت حظر النفط عام 1973م.

لم تنس الجماهير الغربية مقدار الألم الذي ألحقه بهم حظر تصدير النفط، وفي ذات الوقت فإنهم لا يعرفون شيئا عن الدور الذي لعبته السعودية لاحقا في النماء، واستقرار الاقتصاد العالمي. كما أنهم لم يعرفوا شيئا عنالدور السعودي فيالتمكينللدولار الأمريكي بإيداعها مبيعات النفط في البنوك الأمريكية، وانتهاجها سياسة المنتج المرجح، حيث رفعت على سبيل المثالانتاجهابعد الربيع العربي إلى طاقته القصوى لتعويض النقص الحاصل في السوق نتيجة الغياب الكامل أو شبه الكامل لليبيا والعراق وإيران وجنوب السودان[xi].

لقد تسببت إسرائيل في حظر النفط باحتلالها الأراضي العربية ووقوف الغرب إلى جانبها في حرب رمضان 1973م، وكانت هي المستفيد الأول من نتائج الحظر.

        والخلاصة أن الصورة الذهنية السلبية للمملكة في المدة من عام 1973م وحتى عام 2001م أسهمت في صناعتها إسرائيل واللوبي الصهيوني في العواصم الغربية، ولم تفلح كل محاولات المملكة في الفكاك من هذا الإطباق الإعلامي الذي ينثال من جميع أقنية المعلومات والإعلام المتاحة مهاجما نظام الحكم وشكله، ووضع الحريات، والمرأة والعقوبات والتشدد الديني (الوهابي) الذي تنشره أموال النفط حول العالم كما يزعمون.

العامل الرابع: أحداث 11 سبتمبر 2001م

شكل هجوم تنظيم القاعدة الإرهابي على الولايات المتحدة الأمريكية صبيحة 11 سبتمبر 2001م منعطفا خطيرا آخر في العلاقات السعودية الأمريكية خاصة والغربية عامة. وازداد الخطاب العدائي في الإعلام الغربي حدة، ليضيف إلى الصور النمطية التي أنتجت بعد 1973مأبعادا جديدة وبذلك يصبح النفط والدين ضمن أهداف القصف الإعلامي الذي لايهدأ. ويشير جيدون راشمان Gideon Rachman في مقالة له في صحيفة فايننشال تايمز نشرها في ديسمبر 2015م إلىأن  هناك “شيء يتغير في علاقة الغرب مع المملكة العربية السعودية. يمكنك أن تقرأ ذلك في الصحف، وسماعه من السياسيين، كما يمكنك أن تراه في التحولات في السياسة”[xii]. معتبرا أن المقالات العدائية ضد السعودية أصبحت شأنا معتادا في الإعلام الغربي، ويستشهد بعدة تصريحات ومقالات في هذا الشأن ومنها المقالة الافتتاحية في صحيفة The Observer  التي اعتبرت أن تحالف بريطانيا مع السعودية يعرض أمن بريطانيا العظمى للخطر[xiii]. أما الأمريكي توماس فريدمان الكاتب في صحيفة نيويورك تايمز والمراسل الأسبق في لبنان،والذي غطى صحفيا الهجمات الإرهابية التي استهدفت الأمريكيين والفرنسيين في بيروت عام 1983م وقضت على حوالي 300 أمريكيا، وادينت فيها إيران، فيصف في مقالة له في سبتمبر 2015 الجماعات الإرهابية كالقاعدة وداعش ولشكر طيبة وطالبان بأنها ذُرّية الفكر السعودي[xiv]. وهذا توجه يخالف تماما ما كان يعرفه عن السعودية قبل عام 2001م حيث كتب عقب تلك الأحداث بأنه لم يكن يعرف عن السعودية سوى أنها محطة نفط تتزود منها أمريكا بالوقود وتحميها، فكيف حدث هذا الانقلاب الجوهري في حكمه على السعودية؟

وينقل جيدون راشمان Gideon Rachman عن نائب المستشارة الألمانية سيجمان جابريلSigmar Gabriel تصريحات في سياق الخطاب العدائي الإعلامي عندما اتهم السعودية بتمويل التطرف الإسلامي، مضيفا “علينا أن نوضح للسعوديين أن وقت التغاضي عنهم قد ولى”، ويضيف الكاتب بأن ظهور داعش أكد أن التطرف يعود إلى الفكر “الوهابي” الذي تتبناه المؤسسة السعودية الرسمية.

ويستعرض راشمان عددا من الأحداث والمواقف التي يعتقد أنها شوهت الدور السعودي في الغرب ومنها تراجع أهمية النفط مع الاكتشافات النفطية وبخاصة النفط الصخري، وسقوط ضحايا في اليمن، وتصدي السعودية للربيع العربي وبخاصة في البحرين ومصر. ولا يخفي الكاتب أن بعض المفكرين الاستراتيجيين في الغرب يُخيل لهم أنهم قد يستبدلون السعوديين بالإيرانيين. ويختم الكاتب مقالته في فايننشال تايمز بأن الوقت قدحانليختار السعوديون بين الموافقة على فتح الكنائس والمعابد البوذية، واليهودية، أو مواجهة نهاية دعم السعودية للمساجد في الغرب.

وتعتبر حقوق الإنسان من ضمن القضايا التي تنتقد فيها السعودية، وهي عنوان ثابت في الدراسات والتغطيات الإعلامية. وخلصت دراسة مسحية أجراها مركز PEW للبحوث بأن 72%، و74%، و75%، و77%، و81%، و86% من الأمريكيين، والكنديين، والألمان، والإيطاليين، والفرنسيين والإسبانيين على التوالي يرون أن المملكة تنتهك الحريات الشخصية لمواطنيها[xv]. ولا تتوقف مراكز الدراسات عند هذا الحد بل ترصد سمعة المملكة في الدول العربية والإسلامية لتقدم مادة ثرية للإعلام الغربي حيث نشر المركز ذاته مطلع عام 2016م دارسة عن سمعة المملكة في خمس دول هي تركيا، ولبنان، والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة، وإسرائيل. وكانت النتائج أن 59% من الأتراك لا يحملون انطباعات إيجابية عن السعودية، و52% من اللبنانيين لديهم نفس التوجهات السلبية تجاهها، وكان من الطبيعي أن 83% من الإسرائيليين لا يفضلون السعودية. أما الأردنيون فقد أجاب 76% بأنهم يحملون انطباعات إيجابية وشاركهم في هذه الانطباعات الفلسطينيون في الأراضي المحتلة بنسبة قدره 51%[xvi]. جميع هذه الاستطلاعات إنما تصب في مسار واحد وهو “صناعة عدو للغرب وتبرير استهدافه”.

يصف بيرنارد هيكل أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة بريستون الأمريكية سمعة المملكة بأنها غير إيجابية تماما، ويلخص ما يعرفه الغربيون عن المملكة بالآتي[xvii]:

  • شعب فاحش الثراء
  • متعصب وعنصري ضد المرأة
  • غير متسامح مع بقية الأديان

ويبرر هذه النمطية بوجود أناس يتخذون تشويه سمعة المملكة صناعة لهم. أما كارن مارتن أستاذ إدارة الأعمال في كلية نياجرا بكندا فتعتقد أن الغربيين لا يعرفون عن المملكة سوى أسامة بن لادن وهجمات 11 سبتمبر الإرهابية، مبررة هذه الصورة الظالمة بغياب المعلومات[xviii]. وربما تشير كارمن في هذا السياق إلى عامة الناس، أما النخب الإعلامية والسياسية فتعرف جيدا المعلومات وتفعل أو تقول عكسها وفقا لمزاج الرأي العام أو تقلبات الأحداث أو المصالح الشعبوية أو الانتخابية. وأضرب مثلا بجورج ما لبرونو مؤلف كتاب “أمراءنا الأعزاء جدا” والذي جدف فيه بعلم حول المملكة وعلاقتها بالسلفية والإرهاب على الرغم من زياراته للمملكة، وصداقاته مع المسؤولين والباحثين والإعلاميين فيها.

لقد راجعت ما كتب في أهم الصحف البريطانية والأمريكية والفرنسية في المدة من الأول من مايو 2016م، ونهاية أكتوبر من العام نفسه ووجد أن التناول السلبي للمملكة هو العنوان الأبرز حيث تتهم بما يلي:

  • أنها تتبني نمطا من الإسلام المتطرف المسمى “الوهابية”
  • أن “الوهابية” هي مركز السلفية الجهادية في العالم الإسلامي
  • أن السلفية الجهادية هي التي فرّخت التنظيمات الإرهابية
  • أن السعودية تستخدم ثروتها التي تجنيها من بيع النفطلتصدير الوهابية والسلفية الجهادية وتمويل الإسلام المتشدد حول العالم.
  • أن السعودية تشن حربا ظالمة على اليمن.
  • أن السعودية تدعم المعارضة المتطرفة في سوريا.
  • أن السعودية تستخدم النفط لتركيع الروس والإيرانيين وإفلاس شركات النفط الصخري في أمريكا.
  • أن الاقتصاد السعودي يتهاوى (الإفلاس)
  • أن ملف حقوق الإنسان وبخاصة المرأة، ورائف بدوي، وشريف فياض مسكوت عنه من قبل الحكومات الغربية بسبب العلاقات الاقتصادية مع السعودية.

وإذا كانت إسرائيل هي المستفيد من تشويه الصورة الذهنية السعودية عقب حظر النفط عام 1973م، فإن المستفيد الاستراتيجي من أحداث 11 سبتمبر 2001م هو إيران. والصورة الذهنية التي تشكلت للمملكة منذ تلك الأحداث يمكن اختصارها في الآتي: (السعودية = مصنع اسمه الوهابية، ينتج سلعة واحدة هي الإرهاب، له امتيازات تجارية (فرانشايز) تتمثل في القاعدة، داعش، النصرة، بوكوحرام).

 

العامل الخامس: الرؤية السعودية 2030

ربما تبدو الصورة قاتمة أو هكذا أريد لها أن تكون كذلك. ولكن في حقيقة الأمر أن المملكة قوية، وهي على عكس ما يروج عنها، ولكن هل تصل المملكة إلى المتلقي العالمي بموضوعية وحياد؟ سؤال تؤكد كل المعطيات الملاحظة على أن المملكة تملك مقومات ضخمة، غير أن المعلومات والبيانات التي تصدر عنها إما فقيرة، أو مشوهة، أو تتحرك بفوضى لا تحقق بها أهدافها في التعبير الأمين عن مبادئها الأساسية كدولة محبة للسلام، وذات إسهام إيجابي في المجموعة الدولية.

لقد أدرك قادة هذه البلاد بحكمة وحنكة أن التغيير هو سنة الحياة، وأن البقاء في هذا العالم هو لمن يستوعب الظروف من حوله ويتفاعل معها دون الذوبان فيها، وأدركوا أن القوى الغربية تعمل على إعادة تشكيل هذه المنطقة من العالم وليس أمامنا سوى خيارين إما أن ننتظر أقدارا يحددها الأخرون أو أن نسهم في صناعة مستقبل المنطقة ومستقبل بلادنا كدولة ذات قرار في العالم.

الرؤية السعودية وضعت المملكة على عتبات المستقبل، ورسمت إطارا لتفاعلها المحلي والإقليمي والعالمي بناء على ثوابت لا تتخلى عنها وأولها الإسلام. وبذلك فقد تحول الإعلام العالمي من الحديث عن الوهابية والسلفية إلى الحديث عن الرؤية والقوة السعودية القادمة والعزم على التغيير والتدخل بقوة لحماية أمن المملكة وإقليمها والشراكة الندية لمن يبحث عن الأمن والاستقرار.

ومنذ 25 أبريل 2016م وجد الإعلام الغربي مادة مختلفة للحديث عنها. فالوهابية تراجعت كثيرا في وسائل الإعلام، وقيادة المرأة السيارة أصبحت من الماضي، وأصبح النقاش الإيجابي يدور حول مركز إعتدال والتحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب، والعلاقات السعودية العراقية، وزيارة الملك سلمان لروسيا، وتوطين الصناعات العسكرية. إذا الرؤية صنعت محتوى إيجابيا أزاح ولو مؤقتا الحديث في الماضي.

 

الهجمات الإعلامية وصناعة العدو والاستهداف:

السؤال المنطقي في هذا السياق هو كيف يمكن للمملكة أن تواجه الحملات الإعلامية وهل المواجهة ضرورية إذا كان اليأس هو سيد الموقف؟

معرفة الواقع كما هو يساعد في الاستعداد للمواجهة بالمعلومات والوسائل المناسبة. أما الاستسلام فإنه يعني الانتحار، لأن الدولة التي تملك مقومات المملكة سرعان ما تتحول إلى عدو مستهدف إذا أهملت صورتها الذهنية، وتراخت عن تعزيز سمعتها الإيجابية. ذلك أن تدفق المعلومات بشكل مضلل يؤدي إلى نتائج خطيرة على أمن الدول، فهو من جانب يؤدي إلى فقدان ثقة المجتمع الدولي في الدولة المستهدفة ومن ثم دعم أي جهد عدواني عليها، وهو من جانب آخر يفاقهم الفجوات بين مكونات المجتمع الواحد.

وفي الوقت الذي تسجل فيه المملكة العربية السعودية إنجازات على مستوى أمنها الداخلي وفي تعاونها الدولي في مكافحة الإرهاب فإنها تصور على أنها المتهم الوحيد بتصدير فكر الإرهاب وتمويله، وهذا يؤدي إلى خيبات تؤثر على الحالة النفسية والمزاجية. ليس هناك مبادرة سعودية إيجابية تم استقبالها دون أن يتم تشويهها بطريقة أو أخرى. وعلى سبيل المثال، تم في أكتوبر 2016م إعادة انتخاب المملكة لمجلس حقوق الإنسان، خبر يمكن أن يظهر بشكل طبيعي وبدون أي تعليق، إلا أن صحيفة التايمز البريطانية كتبته على هذا النحو: “بعد عام أعدمت فيه معارضين وحكمت على مدون بالجلد ألف جلدة وقادت حصارا عسكريا تسبب في مجاعة في اليمن، أعيد انتخاب السعودية أمس لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة“.[xix]. وفي حادثة إطلاق الحوثيين صاروخا بالستيا على مكة المكرمة نقلت واشنطن بوست الخبر على النحو التالي: “أطلق متمردو اليمن الشيعة وحلفاؤهم صاروخا باليستيا في عمق المملكة العربية السعودية، في غارة خلال الليل قالوا يوم الجمعة إنها استهدفت مطارا دوليا فيما زعمت المملكة أنه توجه صوب مدينة مكة[xx]. والمفارقة في هذا السياق استخدام الصحيفة مفردة “قالوا”، في النقل عن الحوثيين، وعندما تم النقل عن السعوديين استخدمت الصحيفة مفردة “زعمت”. أما في مجال الاقتصاد فقد كتبت صحيفة الرياض في عددها الصادر يوم 31 أكتوبر 2016م ما نصه: “بلغ المجموع الإجمالي للطرح الأول (للسندات السعودية الدولية) 17.5 مليار دولار أميركي .. وبلغ المجموع الكلي لطلبات الاكتتاب في هذه السندات 67 مليار دولار أميركي”. وهذا خبر معلومات ليس فيه رأي، فكيف تناولته صحيفة واشنطن بوست؟ كتبت الصحيفة: “أسعار الفائدة على الدين السعودي تصدمني باعتبارها منخفضة للغاية نظرا للمخاطر المنطوية في امتلاكها ـ خاصة أن الدين لا يستحق حتى 2046. وتتضمن هذه المخاطر كيف أن محكمة أو هيئة قضائية سعودية تطبق التفسير المتشدد للشريعة الإسلامية ربما لا تمضي مثل هذه الأحكام التعاقدية، كما أن الاتساق المستقبلي للمحاكم أو الهيئات القضائية السعودية بشأن دفع الفائدة لا يمكن التنبؤ به”[xxi]. هذا التضليل يمارس في ظل إقرار الكونجرس لقانون “جاستا” الذي يقوض سيادة الدول ويمكن المحاكم الأمريكية من اقتطاع أي مبلغ من أرصدة الدول الأجنبية في أمريكا، بمعنى أن أمريكا ذاتها لم تعد آمنة للاستثمار طالما أنها تستبيح سيادة الدول وحصانتها بأنظمة معلنة وليست مجرد تخرصات كما فعلت الصحيفة في تحذيرها من الاستثمار في السندات السعودية.

إن أي مراقب يدقق في أهداف الحملات الإعلامية المتواصلة على المملكة منذ عام 1973م ومرورا بأحداث سبتمبر 2001م ثم اجتياح العراق فالربيع العربي يدرك بأن المملكة توضع في خانة الاستهداف المباشر، وأن ملامح هذا الاستهداف تقوم على الآتي:

  • تبني فهما متشددا للإسلام أنتج تطرفا، اقتاتت عليه تنظيمات إرهابية تهدد الاستقرار والسلم العالميين.
  • عزل السعودية عن امتدادها الإسلامي وعمقها الإسلامي من خلال حشرها في زاوية الوهابية والسلفية الجهادية لتنفير المسلمين.
  • التهوين من قيمة النفط السعودي وأنه لم يعد بتلك الأهمية للاقتصاد العالمي مع عودة دول مثل إيران والعراق، وتوجه أمريكا لتصدير النفط لأول مرة في تاريخها، وتنامي اكتشافات النفط الصخري.
  • تصوير قانون “جاستا” على أنه موجه للدولة السعودية فقط وبذلك زعزعة الثقة في اقتصادها، خاصة وأنها على عتبات رؤية طموحة تتطلب استثمارات عالمية ضخمة.
  • تصوير السعودية على أنها دولة تنتهك حقوق الإنسان، وتمارس عنصرية ضد المرأة، والعاملين الأجانب، وتقيد حريات التعبير، وتسجن الأبرياء لمجرد تعبيرهم عن رأي مخالف.
  • التمكين لإيران في المنطقة، ودعم أطماعها للهيمنة، بغض النظر عن كونها دولة دينية يحكمها فرد يتلقى الأوامر من الإمام الغائب.
  • غض الطرف من قبل الإعلام عن أحكام صدرت في محاكم أمريكية ضد إيران تدينها في تفجيرات بيروت عام 1983م، وتفجيرات الخبر عام 1996م، وتفجيرات 11 سبتمبر 2001م. إضافة إلى تجاهل الإعدامات اليومية وتعليق الناس على الرافعات في الشوارع لمجرد مطالباتهم السلمية.
  • التنقيب عن المتشابهات، والأخذ بالظن فيما يتعلق بالمملكة من أجل ربطها بالتطرف والإرهاب، وغض الطرف عن دولة ترعى الإرهاب ومصنفة ضمن الدول الراعية له على موقع وزارة الخارجية الأمريكية، وينص دستورها على أنها دولة طائفية شيعية اثني عشرية، وأن جيشها معني بتطبيق الحاكمية الإلهية عن طريق الجهاد في العالم.
  • غض الطرف عن المليشيات الإرهابية الشيعية في كل من لبنان، وسوريا، واليمن والعراق، والتهويل من دور الجماعات السنية الإرهابية وذلك من أجل تخفيف الضغوط على إيران وتكثيفها على السعودية.

 

 

هل ندافع أو نهاجم؟

إن بيان العقائد والدوافع والمصالح التي تقف خلف حملات تشويه سمعة المملكة يقابلها رأي عام غربي أو شرقي لا يعرف شيئا عن المملكة، والوصول إلى هذا الرأي العام يكون من خلال وسائل إعلام محترفة وتنتهج نقل المعلومة الصحيحة والتحليل المتزن. ومن خلال مركز دراسات مستقلة تخاطب الأكاديميين والنخب الفكرية وطلاب الإعلام والعلوم السياسية والشباب المتطلع للحياة في جميع الدول.

الدفاع أو الهجوم تكتيكات يمكن المزاوجة بينهما في التعامل مع الحملات التي تتعرض لها المملكة. وبماء عليه أقترح في هذا السياق ما يلي:

في خطة الدفاع:

  • الاستمرار في مواجهة الصورة الذهنية السلبية ومحاولة تصحيحها سواء على مستوى الإسلام، أو الوهابية أو النفط أو الإرهاب. والمطلوب هو اختيار المحتوى المناسب للمتلقي الغربي، والطريقة المناسبة لوصول المحتوى.
  • وضع استراتيجية واضحة للتعامل مع الصورة الذهنية التراكمية، ومحاولة الاستفادة من الفرص الكبيرة هذه الأيام المتمثلة في شبكات التواصل الاجتماعي.
  • التوصل إلى وصفة وطنية لتحييد أثر خطاب التيارات التي تتصارع فيما بينها وإعلاء شأن الخطاب الذي يراعي المصالح الوطنية العليا.

في خط الهجوم:

  • التركيز على مخرجات الخطة، والدفع بالمستقبل إلى الساحة مما يعطينا فرصة لالتقاط الأنفاس، ويشغل الإعلام بمناقشة موضوعات إيجابية أو محايدة على أقل تقدير.
  • تأسيس منصات مناسبة كوسائل الإعلام الدولية، ومراكز الدراسات والأبحاث، وتكثيف العمل غير الحكومي في الخارج عن طريق مركز يؤسسها سعوديون أو مراكز قائمة شريطة التواجد السعودي فيها لأنه أعلم بقضايا وطنه.
  • أن تدرس فكرة الأوقاف التي تصرف على مراكز الدراسات السعودية في الخارج باعتبارها تدافع عن الدين وعن الدولة ومصالح الإنسان السعودي وأمنه واستقراراه، خاصة وأن أهم مراكز الدراسات الغربية هي قائمة على الوقف ودعم الميسورين والشركات. لأن الدعم الحكومي يفسد المحتوى حيث تصنف مباشرة بأنها مراكز دعائية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

[i]http://www.nato-pa.int/default.Asp?SHORTCUT=2443

[ii]Anholt, S. (2005): Brand New Justice – How Branding Places and Products Can Help the Developing World. Elsevier Butterworth Heinemann, Oxford, UK.

[iii]Jenes, B. (2005): Possibilities of shaping country image. Marketing ésMenedzsment, 2005/2. pp. 18-29.

[iv]بدر، أحمد. 1987م. الرأي العام طبيعته وتكوينه، مكتبة الأنجلو المصرية، ط2،القاهرة، ص 27

[v]السابق ص 162

[vi]Voyage enSyrie et enÉgypte, pendant les années 1783, 84 et 85, page 207

 

[vii]http://www.presidency.ucsb.edu/ws/index.php?pid=16319&st=saud&st1=

[viii]http://www.wsj.com/articles/SB10001424052702303382004579131460420974406

[ix]http://www.npr.org/sections/parallels/2013/10/15/234771573/the-1973-arab-oil-embargo-the-old-rules-no-longer-apply

[x]السابق

[xi]السابق

[xii]https://www.ft.com/content/a33c5e6c-9ccc-11e5-8ce1-f6219b685d74

[xiii]https://www.theguardian.com/commentisfree/2015/dec/06/britain-regret-cosying-up-to-saudi-arabia

[xiv]http://www.nytimes.com/2015/09/02/opinion/thomas-friedman-our-radical-islamic-bff-saudi-arabia.html?_r=1

[xv]http://www.pewresearch.org/fact-tank/2014/03/28/the-world-gives-saudi-arabia-poor-marks-on-freedoms/

[xvi]http://www.pewglobal.org/2016/01/07/saudi-arabia-favorability-topline/

[xvii]https://www.facebook.com/karen.martin.31521301

[xviii]السابق

[xix]http://www.thetimes.co.uk/edition/world/riyadh-wins-un-human-rights-seat-gs9knmtt5

 

[xx]https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/saudi-arabia-says-yemen-rebels-fire-missile-toward-mecca/2016/10/27/e6d56050-9cc2-11e6-b552-b1f85e484086_story.html

[xxi]https://www.washingtonpost.com/news/wonk/wp/2016/10/28/saudi-arabias-smart-strategy-on-bonds-and-expected-oil-ipo-doesnt-negate-investor-risks/