الدكتور غازي القصيبي
يتحدث عن الشيخ ابن باز رحمه الله فيقول :
●●إذا قيل ” الشيخ ” عرف الناس الرجل المقصود … ومن غير ابن باز يستحق ذلك اللقب..
جاءه اللقب من الجموع …
لم يحصل عليه من جامعة …
ولم تنعم به هيئة …
ولم يصدر بتحديده مرسوم
لي معه مواقف…كلها تذكرة وعبر..
كان – الشيخ – كبيرا .. ”
وكان كبيرا جدا…
كان كبيرا بعلمه …
وكان كبيرا جدا بتواضعه …
وكان الشيخ كريما …
وكان كريما جدا …
كان كريما بماله …
وكان كريما جدا بنفسه …
وكان الشيخ طيبا …
وكان طيبا جدا …
كان طيبا …
لا يخدع أحدا …
وكان طيبا جدا …
لا يغضب من أحد خدعه …
كان بعض اجتهاداته موضع خلاف أما نزاهته الفكرية فكانت محل إجماع …
قولا واحدا …
ذات يوم …
قرع الباب بمنزلي في حي ” الروضة ” بالرياض ..
وفتحت زوجتي الباب وجاءت ، مذهولة ، تخبرني أن – الشيخ – عند الباب يستأذن في الدخول …
وذهلت بدوري …
كان البعض – غفر الله لنا ولهم – قد دقوا بين الشيخ وبيني ” عطر منشم ” …
ونقلوا إليه ما نقلوا مشوها …
ومحرّفا …
وخارج سياقه …
وكان بيني وبين الشيخ عتاب لم يخل من حدّة …
وتحمل الشيخ الحدّة …
كما يتحمل الأب الصبور نزوات الابن المشاغب …
وهُرعت إلى الباب ..
استقبل الشيخ ابن باز ..
رغم (الحمّى الشديدة) التي كانت – وقتها – زائرة ثقيلة اقعدتنى بالبيت …
بلا حياء …
قال الشيخ أنه سمع (بمرضي) وجاء يعودني …
وتحدثنا طويلا …
وقال عن عملي في وزارة الصحة ما يخجلني حتى بعد هذه السنين أن أردده …
ودعا لي …
وخرج …
وذهبت ، ذات مساء ، أزوره …
وكان يجيب على أسئلة الرجال والنساء …
كعادته بعد صلاة المغرب …
عبر هواتف أربعة لا تنقطع عن الرنين …
ثم خلا لي وجهه …
وتحدثنا ما شاء الله أن نتحدث …
وقبل أن أخرج قلت مترددا : – يا سماحة الشيخ ! هل تسمح لي بإبداء نصيحة شخصية ؟ وابتسم وقال :
” … تفضل ! تفضل ! ” .
قلت : – هذه الفتاوى الفورية على الهاتف …
ثم أحجمت عن الكلام …
تقديرا …
واحتراما …
واتسعت ابتسامة الشيخ …
وقال: ” تكلم ! تكلم ! ” قلت : – هذه الفتاوى الفورية على الهاتف ..
ألا يحسن أن تؤجل حتى تُكتب وتُدرس ؟ وقال الشيخ : جزاك الله خيرا !!
أنا لا أفتي إلا في المعلوم من الدين بالضرورة …
أو في الأمور البسيطة التي يحتاجها عامة الناس في حياتهم اليومية …
أما ما يحتاج إلى بحث وتمحيص …
فليس مكانه الهاتف ” .
وشكرت له سعة صدره ….
وخرجت …
ومرت الأيام …
والأعوام …
نلتقي بين الحين الطويل …
والحين …
وكان …
كل مرة …
يحييني تحية الوالد الشفوق …
رغم العطر المسموم …
الذي لم يكف تجار الوقيعة عن تسويقه …
وجاء احتلال الكويت …
وخاف من خاف …
وسعى للغنيمة من سعى …
وطمع في الزعامة من طمع …
وانتهز الفرص من انتهز …
وانتظر الناس ” كلمة الشيخ “…
ووقف الشيخ …
وقال ما يعتقد أنه الحق …
ولم يبال بردود الفعل العنيفة …
وبدأ الشيخ الضئيل عملاقا في عباءته الصغيرة …
والزوابع تدور حوله …
مزمجرة …
هادرة …
شرسة …
كل زوبعة تحاول أن تجرف الشيخ معها …
وكان الشيخ الضئيل صامدا كالجبل الأشم …
جاءت الزوابع وذهبت …
وثارت العواصف وهدأت . وبرنامج الشيخ لا يتغير …
الصلاة والدروس في المسجد ..وتلاميذ بلا عدد .. الدوام في المكتب …
ومراجعون بلا حساب …
وضيوف الغداء …
وضيوف العشاء …
والباب المفتوح أمام الجميع …
واللسان العفّ حتى مع المخالفين الذين لا يعرفون عفة اللسان … والهاتف لا ينقطع عن الرنين … و” الشيخ “…
يجيب … ويجيب …
ويقضي كل لحظة من لحظات الصحو معلما … أومتعلما …
أوعابدا … يحمل هموم المسلمين في كل مكان …
حتى ليكاد ينوء بها جسمه الضئيل ..
لا يقول إلا ما يعتقد أنه الحق …
ولا يرجو رضا أحد سوى الله… ومات ” الشيخ ” رحمه الله . ذهب بهدوء ..كما عاش ببساطة ..
وترك الجموع الواجمة …
تصلي على جنازة الرجل الذي لم يتأخر يوماً عن الصلاة على جنازة مسلم معروفاً كان أومغمورا
رحم الله ” الشيخ ” الضئيل …
العملاق عبد العزيز بن عبدالله بن باز …
وأسكنه بعد سجن الدنيا الضيق جنة عرضها السماوات والأرض … أحسبه -ولا أزكي على الله أحدا… أحبَّ لقاء الله … وأرجو – وأستغفر الله أن أقول ما ليس لي به علم – إن الله أحبَّ لقاءه.
ص. الجزيرة