هما كانت درجة الاختلاف بين فئات الوطن يجب أن يكون اليوم الوطني محل اتفاق بين الجميع، على أن يسمو فوق مختلف صراعات السياسة والاقتصاد، وأن لا يكون أبداً ساحة للانتقام أو تصفية للحسابات بين المؤدلجين بمصالح أو أفكار أو مواقف سياسية مضادة لفكرة الوطن للجميع..

أكتب ذلك بمناسبة اليوم الوطني الموافق ليوم الأحد القادم، وأكتب ذلك من أجل تقدير أكثر لهذه المناسبة العزيزة بين أبناء هذا الجيل، وذلك من أجل وطن يفخر به الأحفاد في مستقبل الأيام، وتهاجر إليه العقول والأموال، ويرفض أن تكون الأمية والفقر والخوف مكونات رئيسية في بنيته التنموية…

عندما نرقب نمو وتطور فلذات أكبادنا في مراحل التعليم ندرك أنه لا يمكن أن يحدث ذلك بدون وطن آمن، فالآمال والأماني تتحقق فقط في حالة الاستقرار والازدهار في حياة الإنسان، والإحباطات تتوالى عندما يتوقف الزمن بزوال الوطن، عندها نبدأ مرحلة التيه التي عادة تبدأ بالبحث عن قوارب النجاة في رحلة الخطر إلى البلاد البعيدة.

عندما أعيد شريط الذكريات والمنجزات أرى وطني شامخاً بين الأمم، وهو ما يزيدني إصرارًا على الإيمان بضرورة الأوطان في الحياة، وأنه مسؤولية عظمى على الجميع أن نحافظ عليه، وألا نفرط بمكتسباته، إما بسبب أنانيتنا، أو صراعاتنا العبثية، أو أطماعنا وأهوائنا الشخصية، أو سوء التقدير لهذه التركة العملاقة..

لا يزال عمر الأوطان قصيرًا في الشرق العربي عند مقارنته بالغرب، فالوطن في عالم العرب لم يدخل بعد مرحلة الضرورة القصوى، ويواجه مفهوم الوطن صعوبات وأطماعا وعدم اعتراف، وهو ما يزيد من المسؤولية على النخب في المجتمع لنشر الوعي السياسي الصحيح، فثقافة المغامرات والمهاترات والمزايدات قد تؤدي إلى انتكاسة وطنية في المستقبل، وقد تمزقه من الداخل أو من الخارج.

تعلمنا من تاريخ الأوطان أن الوطن يمرض بثقافة الإقصاء، ويحيا بروح المساواة والألفة والإصلاح، ويكون مهدداً بالزوال إذا روج أحدهم أن الوطن هو تلك الأيدولوجيا التي يتناقلها البعض في قنواتهم السرية، أو أنه هو تلك الأفكار التي إذا آمن بها أحدهم أصبح شريكاً لنا في الوطن.

تعلمنا من تجارب الآخرين أن الاقتصاد والتنمية بمثابة العمود الفقري في الجسد الوطني، وأن الحرية المسؤولة بمثابة الرئة التي تتنفس من خلالها الشعوب، وإن المكاسب ودخل الفرد ومستويات المعيشة القلب النابض بروح الوطن، وإذا ضعفت تهتز أركانه، ويكون عرضة لاستغلال ضعاف النفوس من أجل مآربهم الخاصة…

في اليوم الوطني لابد أن نتذكر ما تحقق على يد المؤسس الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ورجاله من أبناء الوطن، ولابد من التشديد على أهمية الحفاظ عليه، بالعمل والاستمرار في تحقيق الإنجازات، وأن نكرس للأبناء رسالة فحواها أن الوطن للجميع بلا تفرقة أو عنصرية، وأنه سيكون دوماً المكان المناسب لتحقيق الأحلام لأي مواطن مهما كانت خلفيته الاجتماعية..

في اليوم الوطني لابد أن نشدد على أهمية الوقوف مع القيادة، على أن نكون عوناً لهم من أجل تحقيق السلم الاجتماعي، وتكريس الأمن، وطرد الخوف من وعينا السياسي، وذلك حتى لا يولد هذا الوعي مشوهاً عند الأجيال القادمة.. أعاده الله على الوطن وأبنائه وقيادته بالخير والاستقرار.