بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأفكار الرئيسة لمحاضرة

جيوش الإعلام الجديد وأثارها الوطنية والعالمية

د. عبد الله بن ناصر الحمود

قصر التوحيد – القصيم

أكتوبر 2016م

 

  • لنبدأ بسؤال: هل يمكن لوسائل الإعلام أيا كانت أن تهدد المجتمعات والهويات الثقافية؟
  • بيئة الاتصال: مصادر غير محددة للمعلومات، مدخلاتها غير مخرجاتها، متفردة جدا في متغيراتها.
  • كاتز..وستوارت هول، وغني جون رافو.
  • في العام 1991م، كتب أحد الباحثين في مجال الإعلام، يصف مرحلة بروز الفضائيات ..”لقد كانت بوادر الأزمة التي نجمت عن هذا الوضع أن هزت ثقة الشباب في حاضره هزاً، ودكت أسس إيمانه بأمجاده الماضية دكاً، واكتشف المستقبل في أنظاره ضباباً كثيفا”
  • كانت المعارضات الشعبية والتحفظات الرسمية في العالم الإسلامي على أشدهما مطلع التسعينات الميلادية الماضية، لكن اليوم يشهد ما لا يمكن معارضته ولا التحفظ عليه.
  • الإنترنت من أبرز التقنيات المعاصرة وأهمها، وهي وسيلة اتصال،نافعة في الأصل، بين الناس، تنشر الأفكار والثقافات وتشيع العادات والتقاليد، وتعرف الناس بعضهم ببعض.
  • كان عدد مستخدمي الإنترنت في العالم في عام 1993 (14 مليون و 121 ألف) ..ليصل اليوم في العام 2016م، إلى (3 مليار و 425 مليون مستخدم). هذا يعادل تقريبا 64% من سكان الأرض.
  • تتوقع مراكز البحوث مثل “أورينت بلانيت للأبحاث” نموا فى عدد مستخدمي شبكة الإنترنت في العالم العربي ليبلغ نحو 226 مليون مستخدم بحلول العام 2018. وذلك وفقاً لـ”تقرير اقتصاد المعرفة العربى 2015-2016″.
  • تسجل معدلات استخدام شبكة الإنترنت في العالم العربي ارتفاعاً ملحوظاً لتصل إلى 55% بحلول العام 2018 مقارنةً بـ 37.5% خلال العام 2014، متفوقة بـ 7% تقريباً على معدل النمو العالمي المتوقع والبالغ 3,6 مليار مستخدم.
  • برزت في العقد الأخير دراسات مهمة اتخذت لها عناوين غاية في الدلالة مثل “وحدنا معا” لشيري تاركل، و “هل جعلنا الفيس بك وحيدين” لستيفن ماركي.

 

  • نعيد طرح السؤال من جديد: هل يمكن للإعلام الجديد أن يهدد المجتمعات والهويات الثقافية؟
  • في علاقتها بالفكر.. تم تحويل شبكات التواصل الاجتماعي في حالات كثيرة جدا إلى مراكز تجنيد.
  • هدف مريدي الاختراق، من وراء استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي هو إيصال معلومات للجميع وعلى نطاق واسع، معلومات قد لا تصل عبر وسائل الإعلام التقليدية. وفي ضوء ذلك شاع مصطلح “الدبلوماسية الرقمية”
  • يتم من أجل ذلك تجنيد المئات من المتخصصين الشباب غالبا من ذوي الكفاءات العالية في مجال الإعلام الإلكتروني والإنترنت، للقيام بعمليات الاختراق.

 

هنا نصل إلى عنوان لقائنا هذه الليلة…..

  • ففي حين تنشط الجيوش العسكرية في الميدان بشكل مرئي ومباشر، تعمل الجيوش الإلكترونية على التفاعل العاطفي مع الأحداث، ومن خلال وسائل الاتصال غير المرئية علنا للجميع، بل للمستخدم فقط.
  • ويقوم بذلك دول ومنظمات كما يقوم بع جماعات وأفراد ..
  • من أخطر المؤشرات أن 80% من الذين انتسبوا إلى تنظيم داعش تم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي
  • أفادت دراسة بحثية نشرتها مؤسسة “بروكينغز” أن تنظيم داعش يغزو مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة موقع “تويتر” بعشرات الآلاف من الحسابات. ومعظم هذه الحسابات تم إنشاؤها في عام 2014.
  • في العموم، تشير الدراسة إلى أنه أمكن رصد 90 ألف حساب لـ”داعش” على “تويتر”، لكنها توضح أن هذه الحسابات تشمل “مؤيدين مخفيين” و”عملاء استخباراتيين تابعين “للتنظيم المتشدد، بالإضافة إلى حسابات لـ”عملاء استخباراتيين مناهضين” له، والهدف منه مراقبة نشاطاته الإلكتروني. وكثير من هذه الحسابات تعرض للإيقاف، لكن حسابات أخرى تخرج من جديد.
  • صحيح أنه..
  • تم مؤخراً تشكيل جماعة بوليسية على مستوى قارة أوروبا مثلا لتتبع وحظر جميع حسابات داعش على مواقع التواصل الاجتماعي، وتم تأسيس وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول” لتقوم بالعمل مع شركات تواصل اجتماعي من غير أسماء لتتبع حسابات داعش وإقفال كل حساب جديد يتم إنشائه بعد ساعتين من بدئه.

و تفيد إحصائيات “يوروبول” أن أكثر من 5000 مواطن أوروبي من بريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا قد نزحوا إلى مناطق قوى داعش للانضمام إليهم مما يؤكد قوة التأثير التي تمتلكها المنظمة على مواقع التواصل الإجتماعي.

  • مع وسائل التواصل الاجتماعي، بات من الممكن أن يتطرف الشاب وهو في غرفة نومه.
  • يستغل الإرهاب الإلكتروني معاناة الشعوب، واحتياجاتها، ويعمل على تناقضاتها لإذكاء روح العداء في نفوس ضحاياه، وبالتالي يسهل عليه السيطرة على اتجاهات الشباب وسلوكهم فيوجهها لمآربه الإجرامية.
  • ومن أهم العناصر التي تخدم الإرهاب عبر شبكات التواصل المجتمعي
    • سهولة الحصول على المعلومات.
    • يسر الاتصالات بين أعضاء الخلية الإرهابية.
    • التعبئة وتجنيد عناصر جديدة للتنظيم.
    • إعطاء التعليمات والأوامر إلكترونيا.
    • التخطيط والتنسيق.
    • الحصول على التمويل.

 

  • ولأن لكل حدث جذور.. لا يمكن أن نغفل مرحلة سقوط بغداد مما يحدث في المنطقة من تطرف وإرهاب حاليا..، تقول سميرة رجب، وزيرة الإعلام السابقة في دولة البحرين في أحد مقالاتها: بعد أشهر قليلة من سقوط بغداد (2003)، عرضَت الفضائيات العربية، قبل الأجنبية، تقارير إخبارية مصورة حول المتطوعين العرب الذين كانوا في العراق منذ ما قبل الغزو للقتال مع الشعب العراقي ضد أي عدوان خارجي… وأتقن الإعلام دوره في إظهار أولئك المقاومين العرب ضد الاحتلال على أنهم إرهابيون عرب.. وأن أغلبهم سعوديون. كان ذلك المشهد كافيًا لبث الرعب في إرادة الأنظمة الخليجية لمنع أي إمداد بشري أو مادي للمقاومة العراقية، خوفًا من بطش تشريعات «الحرب على الإرهاب» المعدة سلفًا لهذه المواجهة… وكان هذا التلويح بتهمة الإرهاب أول ابتزاز ضد دول الخليج بعد أحداث 11 سبتمبر، ونجح في مخطط فصل العراق عن عمقه العربي، وفي تجفيف منابع المقاومة المشروعة (وليس تجفيف منابع الإرهاب). وبعد نجاح إعلام «الحرب على الإرهاب» في إرهاب العرب لمنعهم من التدخل لحماية العراق والعراقيين، عرضت الفضائيات نفسها مشهدًا مصوَّرًا لدخول أكثر من 10 آلاف فردٍ من مليشيات بدر الإيرانية (قوات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية)، بكامل عتادها، إلى البصرة، عبر حدود البلدين، مع حماية غربية، والملفت أن التقرير الإعلامي (العربي) تعمَّد أن يُظهر أفواج تلك المليشيا كأبطال عراقيين عائدين إلى بلادهم من المنفى. لقد تم وصف المشهد بأنه يوم تاريخي يمثل الديمقراطية الجديدة في العراق… وأن ذلك الحدث (العظيم) يمثل نقطة تحوُّل في تاريخ إطلاق الحريات في البلاد، بينما واقعيًّا كان يمثل لحظة إطلاق مارد الإرهاب والحرب الأهلية الطائفية، المستمرة في العراق حتى يومنا هذا.من هناك، بدأ الانسحاب العربي من العراق، وتقديمه إلى إيران على طبق من ذهب.

 

  • وبالتالي.. فإن “أس” قضيتنا (إيران- بنظامالملالي.. وولاية الفقيه) والتحولات الدولية المترتبة على كل ما له علاقة ب (إيران) اليوم.. فإيران في الألفية الجديدة، غير إيران ما قبلها. وجُلّ الصور السلبية عنا والمفترية علينا، لها علاقة عضوية بتحولات المشهد الدولي في الألفية الجديدة، الذي يكون النظام الإيراني جزء منه.
  • إيران..تعبث..وتعتدي..وتطمح.. ولا يضيرها أن تغدر..وتخون.. من أجل مآربها المشؤومة والمشبوهة في المنطقة.. وظهرت مناصرة القوى الدولية لها علنا..وصرنا.. بين الأفعى .. والشيطان. ولا أحد يعنيه اليوم أمرنا .. فخيارات العالم الأقوى اليوم.. تتباعد عنا.. وتتكالب ضدنا وتستنزف مدخراتنا. لقد ظهر التشكيك في كل ماله صلة بنا..مذهبنا..فكرنا..اقتصادنا..شبابنا..مناهجنا.. حتى منظماتنا الدولية تمت شيطنتها هذه المكاشفة الراهنة .. في تحالف القوى الدولية مع إيران ..  هي وحدها ما يميز المرحلة العصيبة اليوم.. العصية على التحليل والنقد.
  • حقيقة الاستنزاف التي تراد لنا من صناع الموت.. ومرتزقة السلاح.. وجوعى السيادة العالمية.. حقيقة باتت ظاهرة..وهذا.. ليس أبدا.. في صالحنا

 

  • عن السعودية
  • من الواضح أن قدر المملكة العربية السعودية أن تكون في واجهة الأحداث بشكل عام لمكانتها الإستراتيجية في العالم الإسلامي ولتأثيرها على عدد من مظاهر الحياة في العالم أجمع.
  • لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وحرب الخليج 2003م، وما سمي بالربيع العربي منذ 2011م، كلها أحداث ضاعفت من ثقل الحمل الذي تحمله المملكة في التاريخ المعاصر.
  • لقد تضاعف عدد الخصوم .. وتنوعت أساليبهم، وأتيح لهم من وسائط التواصل المجتمعي للترويج لاعتداءاتهم ما لم يكن متاحا لأسلافهم.
  • “هاشتاق” حملة قيادة المرأة السيارة في 26 أكتوبر 2013 شارك فيه نحو نصف مليون ناشط مصري، و170 ألف إيراني، و50 ألفا من الولايات المتحدة.
  • ومغردوا “تويتر” يركزون على إبراز السلبيات ويتجاهلون الإيجابيات حتى لا يفقدون متابعيهم.
  • فيلم “الحراك السري” الذي عرضته ال BBCفي العام 2014م لأحداث القطيف، يمكن من خلاله فهم كيف تسعى بعض وسائل الإعلام لخلق الواقع الذي تريده، ثم تعمل على نشره.
  • الفيلم الأمريكي “عواء الذئاب” الذي نشر قبل أشهر، يبدأ بمنظر لقطع رأس شخص بالسيف ثم تتابعمجموعة من الصور مع مؤثرات بكاء وشكوى من الظلم وسلب الحريات وتعنيفالمرأة..وأنّ الأطفال منذ الصغر يعلمون أن المسيحيين واليهود كفار يجب قتلهم. بعد ذلك، يخرج صوت يقول: (هذه ليست داعش، هذه المملكة السعودية حليفتنا)!.
  • هناك (تسعين) تغريدة في الدقيقة تستهدف أمن المملكة واللحمة الوطنية والنسيج المجتمعي وأكثر من (عشرة آلاف حساب) في تويتر لإحباط المجتمع السعودي وتشتيت صفوفه بمعدل 6000 حساب عبر تويتر موجهة ضد المملكة لزرع الفتن داخل المجتمع وبث الشائعات و4000 حساب أخرى تقوم بإعادة نشر تلك التغريدات.هذا إضافة إلى عشرات الآلاف من شائعات الواتساب ومقاطع التندر والسخرية التي ينتجها أناس معادون حاقدون يسعون من خلالها لتحقيق أهداف سياسية وأمنية ومخططات دولية تستهدف زعزعة أمن واستقرار المملكة.

 

  • ويمكن فهم الهجمة الإعلامية والسياسية الراهنة على المملكة باعتبارها جزءا من كل يشمل الهجوم العام على الإسلام والمسلمين.
  • الإعلام بشكل عام أصبح سلعة فالإعلام اليوم يقدم للشركات وللحكومات سلعة مميزة وهي الجمهور، وبالتالييتم تصوير الأحداث في العالم كله بما يوافق نظرة هذه الحكومات أو الشركات. لا بطريقة مؤامراتية بالضرورة ولكن بسبب اتصال المصالح.
  • تحديات الإعلام الجديد لنا تتكاثر اليوم بعد أن وضعنا بين أيدي كثير من المراهقين وسائل تواصل عالميّة ولم نربهم على حسن استعمالها. فقاد ذلك إلى أن كان من شبابنا مع الأسف (وربما من بعض غير الشباب) من سهل اختراقه .. لتشويه سمعتنا.. ولبث الأفكار المنحرفة بيننا.. ونشرها وتلبيسهم لباس المناضلين والمجاهدين زعما باطلا.. وتحويلهم إلى معاول هدم للمجتمع وللحضارة..
  • يقوم “تشويه سمعتنا” على نوع من النقد المحموم، والمتعدي أحيانا، للوضع العام في السعودية. وهو نقد يرتكز على بعض مظاهر الحياة، ويقوم على منطلقات غربية ذات علاقة بحقوق الإنسان، والمرأة، والمشاركة السياسية، ونحو ذلك. وأعتى صور هذا النقد، ما يكون جزءا من منظومة إستراتيجية عدائية بالفعل، وبالتالي ليس نتاج رؤية إعلامية وحسب.
  • إن التاريخ يعلمنا، أن سلسلة الهجوم على الدول والشعوب، تبدأ بحلقة تشويه السمعة. فالسعودية اليوم، تواجه أشكالا وألوانا من تشويه السمعة ليست بخافية على الملاحظين. وإعلام تشويه السمعة، له جمهور عصي على غيره من الإعلام. وهذا النوع من النقد”الهجومي”، معلوماتي جدا،  وحصيف جدا، ويتمظهر بالموضوعيه، وينطلق من مفارقات الواقع، وأهدافه الإعلاميةمن أقوال وأفعال المؤسسات الرسمية السعودية، ومن تعقيدات الواقع الثقافي والاجتماعي السعودي، ومن تركات الماضي، ومحطات التاريخ المعاصر القريب.

 

  • وبالتالي، فلا شك في أن بلادنا تواجه اليوم هذا النوع من النقد، (نقد تشويه السمعة)، ولذلك ما وراءه من مقاصد الإضرار بالدولة والمجتمع، بعد أن تتم مرحلة التشويه هذه، ويصبح الرأي العام داعما لأي حلقة أخرى في سلسلة الاعتداء. لقد أمكن أن يوجد داعمين محليين وإقليميبن، لقوى دولية نجحت بكل أسف في مرحلة تشويه السمعة.
  • وفهم ذلك مبكرا، وفحصه جيدا،  يبدو خيارا وحيدا للمواجهة. لتكون مواجهتنا إستراتيجة وشاملة. إننا نحتاج منظومة من الغعلالإستراتيجيالمتكامل..  وهو الفعل الذي يقوم على الشراكة المجتمعية في مواجهة المخاطر..  ولا يقصر على مؤسسات الدولة فقط.
  • نحن نحتاج إلى تعهد إصلاحاتتنا بوتيرة أسرع، ونحتاج أيضا، إلى المحاسبة القانونية لدى المنظمات والمحاكم الدولية لكل من يعتدي علينا إعلاميا. فمن يعتدي علينا بخطابه الإعلامي، أو بمحتوى وسيلته الإعلامية،  يجب أن نردعه بالقضاء. وحجتنا في القضاء تكون فاعلة وقوية..  لأن من الناقدين لنا من يقترفون جنايات نشر وجرائم معلومات، ويكذبون ويدعون..  وهذا كله مناط التقاضي. ولا بد من جر أهمهم للمحاكمة بعرائض ادعاء يعدها نخبة من الإعلاميين والقانونيين عندنا. لا بد من إشاعة ثقافة أننا نقاضي من يعتدي علينا إعلاميا..  ونظفر بحقنا.
  • وخلاصة الأمر، إن الطريق الذي أمامنا طويل جدا.. والمتربصون بنا على جنباته يتنادون كلما حانت لهم فرصة. ورحلتنا الراهنة (مع أنني لا أحب إلا التفاؤل) .. لكنها يبدو أنها لن تكون بردا وسلاما..  لتعقيدات حساباتها على مسرحنا الداخلي أولا، ثم لتعاظم اصطفاف الخصوم على جنبات طريق عبورنا التاريخي الراهن.
  • نحتاج للعبور الآمن .. أن نستمد العون من الله سبحانه أولا، ثم ندعم ونتفانى في دعم وحدتنا الوطنية في مواجهة كافة التحديات.. ونحرر كافة رؤانا للكون والحياة بوضوح كبير ودون مواربة.. وأن نستأجر لمهماتنا الوطنية كلها “القوي الأمين” فما أكثر الأقوياء الأمناء بيننا ولله الحمد.

 

وصلى الله على محمد