المفهوم الخاطئ للوهابية وبيان حقيقتها*(1)

إبراهيم بن سعد الماجد*

إن الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسنا، وسيئاتِ أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِلْ؛ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا].

صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز أمير منطقة القصيم, أصحاب الفضيلة والمعالي والسعادة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بداية أطرح هذا السؤال : من سمى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالوهابية ؟؟

 

لا شكَّ أننا إذا استنطقنا التاريخَ أخبرنا أن ما يُسمَّى بـ(الوهابية) هو مصطلحٌ أطلقه ابتداءً الإنجليزُ ثم أعداء الحركة الإصلاحية التي قادها الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب في نجد، ما بين (1703م/1792م). وكان هدف أعداء هذه الدعوة صرف الناس وتنفيرهم عن ما جاءت به من تحقيقِ التوحيدِ الخالصِ لله تعالى؛ ونبذ التقليد والبدع؛ ونشرِ السننِ وإظهارِها؛ والقيامِ بالواجبات الدينية؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وتحكيمِ الشرع؛ ونشرِ العلم ومحاربة الجهل؛ وتحقيقِ الجماعة ونبذِ الفرقة؛ ورفع التخلف والبطالة.

 

وتبعهمْ على ذلك بعض الفرق الإسلامية المعادية لأهل السنة والجماعة؛ ولئن كان بعضُ الكتاب والباحثين يطلقون هذا المصطلح ولا يعون معناه ولا واضعه ولا المقصود منه؛ وإنما ساقهمْ إلى ذلك التيارِ والمدِّ الجارف.

 

ولكي ما نُقدِّم البراهينَ على قولنا نأتي بشهاداتٍ لا لعلماء أو مثقفين مسلمين، بل لأناسٍ خارجَ دائرة الإسلام، مشهود لهم -من خلال تراجمهم- بالعداءِ السافرِ للإسلامِ وأُمَّة التوحيد.

 

فهذا “صمويل مرجليوث” المستشرقُ اليهوديُّ الإنجليزي، وأحدُ المشاركين في كتابةِ دائرةِ المعارفِ الإسلامية يقول: (إن التسميةَ بالوهابيين أُطلقت من طرف المعارضين في فترة حياة مؤسسها، وقد استخدم الأوربيون هذه التسميةَ، ولم تُستعمل من قِبَلِ أتباعِها في الجزيرة العربية، بل كانوا يُسمُّون أنفسهم بالموحدين) (الشيخ محمد في الرؤية الاستشراقية؛ ص:86).

 

وجاء في دائرة المعارف البريطانية: “الوهابية اسمٌ لحركةٍ التطهيرِ في الإسلام؛ والوهابيون يتبعون تعاليمَ الرسول وحده؛ ويُهملون ما سواها وأعداء الوهابية هم أعداء للإسلام الصحيح”.

 

وقال المستشرقُ اليهودي “جولد تسيهر” الذي يعدُّه المُستشرِقُون أعمقَ العارفين بالحديثِ النبوي، لمحاولاته الحثيثة التشكيكَ في المصدر الثاني من مصادر التشريع (السنة): (يجب على كُلِّ من يُنصِّب نفسَه للحكم على الحوادثِ الإسلامية أن يعتبر الوهابيِّين أنصاراً للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبيُّ وأصحابُه، فغايةُ الوهابيين هي إعادة الإسلام كما كان) (العقيدة والشريعة؛ لجولد تسيهر).

 

وقال “برنادلوس” في كتابِهِ (العرب في التاريخ) ما يلي: (وباسم الإسلام الخالي من الشوائبِ الذي سادَ في القرن الأول، نادى محمد بن عبد الوهاب بالابتعادِ عن جميعِ ما أُضيفَ للعقيدةِ والعباداتِ من زيادات، باعتبارها بدعاً خرافيةً غريبةً عن الإسلام الصحيح).

وحتى تتضح الصورة أكثر لابد من التعرف على الوهابية الأخرى التي شوهت دعوة الشيخ محمدد بن عبد الوهاب, وسببت الكثير من الغط لدى الكثير من المسلمين خاصة في المغرب العربي وشمال أفريقيا.

الوهابيةُ (الرستميةُ) وحقيقتُها الغائبةُ والفرْقُ بينَهَا وبينَ دعوةِ الشيخ المُجدِّدِ محمد بن عبد الوهاب!

 

لا شكَّ أن هناك كثيراً من الباحثينَ الذين  تعرَّضوا لذِكر الفرق بين “الوهابية الرستمية الخارجية”، وبين دعوةِ الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفيَّة السنيَّة، ومع أنَّ تلبيسَ شياطينِ الإنس لم ينطلِ على الكثيرينَ بسببِ البَوْنِ الشاسِعِ بين الطائفتين في نواحٍ عدة، منها:

1.الشخصيتان، فالرستمية: نسبة لعبد الوهاب بن رستم، والثانية: للشيخ محمد بن عبد الوهاب – ولا تصح النسبة أصلاً لأن اسم الشيخ هو “محمَّد”.

  1. المنهجان، فالرستمية فرقة مبتدعة، لا تعظم نصوص الوحي، ولا يفهمونها كما فهمها الصحابة والتابعون، والثانية: على منهج أهل السنَّة والجماعةِ في العملِ بالقرآنِ والسنَّةِ الصحيحة.
  2. الاعتقادان، فالأولى: خارجية، والثانية: سلفية.
  3. والزمانان، فالأولى في أواخرِ القرنِ الثاني أو أوائلِ القرنِ الثالث، والثانية: في أواخرِ القرن الثاني عشر!

ومع ذلكَ فلمْ يمتنعِ العلماءُ وطلابُ العلمِ من توضيحِ الحقِّ لمَنْ التبسَ عليه من دُعاةِ السوء، وعلماءِ الضلالة.

 

 

فقد قال الدكتور محمد بن سعد الشويعر – حفظه الله -:

إن خصومَ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأعداء دينِ الله الحقِّ، من أربابِ المصالحِ الدنيوية، مَنْ يريدونَ إطفاء نورِ الله والتصدِّي لمنْ يُريد أن يحقِّقَ التوحيدَ الذي أمرَ به الله وأرسلَ به رُسُلَه من أوَّلهمْ إلى آخرهم، دعوة وتطبيقاً وتنقية من مداخل الشرك.

فوجدوا دعوة خارجية في شمال إفريقيا نشأت في القرن الثاني الهجري باسمِ الوهابيةِ نسبةً إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الخارجي ، ووجدوا فتاوى من علماء المغربِ والأندلسِ ممن عاصرها أو جاء بعدها فأرادوا شيئاً عاجلاً يحقِّقُ الغرضَ ويُنهِضُ الهممَ لإسكاتِ الدعوةِ الجديدة خوفاً من توسع الدائرة الإسلاميةِ حيث قامتِ الدولةُ السعودية الأولى مناصرة للدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – فتصافحت يدا الإمامَيْن: محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله في عام 1157 هـ على القيام بهذه الدعوة نصرةً لدينِ الله وأداءً لأمانة التبليغ.

 

فَوَفَّقَ اللهُ ولقيتِ الدعوةُ قبولاً وتأييداً حيثُ امتدَّتْ إلى العالمِ الإسلاميِّ كُلِّهِ وتأثَّرَ بها العلماءُ من الحُجَّاجِ وبدأوا نشرَهَا في بلادهم.

فخاف المنتفعون دنيوياً من آثارِها ووجدوا الضالةَ في الوهابية الرستمية،  المدفون خبرُها في سجلاتِ التاريخ، فنبشوا فتاوى العلماء حولَها وكانتْ فرصةً لإلباسِ الثوبِ القديمِ للدعوةِ الجديدة، ووجدتِ الإشاعةُ صدىً في النفوسِ لأنَّ أربابَ المنافعِ الدنيويةِ جهدوا في التمويهِ والتشويهِ، والناسُ عادةً يتلقفون الكذبَ أكثرَ من اهتمامِهِمْ وتحرِّيهم الصدق.

فإن (الوهابية) معروفةٌ من القرنِ الثاني الهجري في المغربِ بأنها فرقة خارجيةٌ ، تُنسب إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الخارجي ، المتوفى عام (197هـ) على رواية، وعام (205 هـ) على رواية أخرى، بشمال إفريقيا.

وقد اكتوى أهلُ المغربِ بهذِهِ الفرقةِ، وبنارِها، وأفتى علماءُ الأندلس والمالكيةُ بالمغربِ بكُفْرِهَا، فنقَّبَ المُستشرقُون وأهلُ الفكرِ في الدُّولِ الغربيَّة، التي تستعمرُ السوادَ الأعظمَ من ديارِ المُسلمينَ ذلكَ الوقت، ووجدوا بُغيتَهُمْ في تلكَ الفرقةِ التي لها تاريخٌ أسْوَدُ مع علماءِ الأندلسِ والشمالِ الإفريقي، فأرادوا من بابِ التنفير، والإفسادِ بين المسلمين، إلباسَ الثوبِ الجاهزِ، بعيوبِه، لهذه الدعوة السلفيةِ التصحيحية، من باب التفريقِ بين المسلمين، وإثارة الشحناء.

وقال:

((دعوة الشيخ محمد – أي: ابن عبد الوهاب – تتنافرُ مع الوهابيةِ الرستمية، من حيث المُعتقد، والمُحتوى، والمكان، والطريقة، وأسلوبِ الاستشهادِ بالدليلِ الشرعي؛ لأن الرستميةَ خارجيةٌ تُخالف معتقدَ أهلِ السُّنةِ والجماعة، كما هو معروفٌ عنهمْ لدى علماءِ المالكية، في شمالِ إفريقيا والأندلس، قبل تغلُّبِ الإفرنجِ عليها وذهابِها من الحُكْمِ الإسلامي الذي هيمنَ عليها، قرابةَ ثمانيةِ قُرون، بينما الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته لا يخرج عن مذهبِ أهلِ السنةِ والجماعة، ويدعم رأيَه في كُلِّ أمرٍ بالدليل الصحيح، من الكتاب والسنة، وما انتهجه السلف الصالح، كما هو واضح: النص، والقياس، في جميع كتبه، ورسائله).

وقال:

وجميعنا يعلمُ أن دعوةَ الشيخِ محمد بن عبد الوهاب السلفية، فهيَ ضد الخوارجِ وأعمالهم؛ لأنها قامتْ على كتابِ الله وما صحَّ من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونبْذِ ما يُخالفهما وهُمْ مِنْ أهلِ السنةِ والجماعة.

ولمَّا أظهرَ الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب على حينِ غربةِ مُعتقدِ أهلِ السنةِ والجماعة، قائماً بالدعوةِ الإصلاحيةِ التصحيحيةِ على ضوءِ الكتابِ والسُّنَّة: لم يَرُقْ ذلك لأعداء التوحيد، وعُبَّاد القبور، وأصحابِ المطامع والأغراض والأهواء، فسحبوا هذه النسبةَ – الوهابيةَ – على سبيلِ المُغالطةِ الماكرة – إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، وإلى أنصارها، وأطلقوها عليها؛ لتنفيرِ الناسِ عنها، وصدِّهم عن سبيل الله تعالى، وإيهامهمْ بأنّ دعوةَ التوحيدِ مُبتَدَعَة، وأنها مذهبُ الخوارجِ الوهابية لعيوبِها، ونِسْبَتُهَا إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية خطأٌ محضٌ وفِرْيَةٌ ظاهرة، وأن الوهابيةَ التي صدرتْ عنها الفتاوى في كُتبِكُم (يقصد المغاربة) لا علاقةَ لها بدعوةٍ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا تقاربَ بينهما لأن الخطَّينِ متوازيانِ لا يلتقيان.

ذلك أن الشيخَ محمد وتلاميذُه يمقتونَ الوهابيةَ الرستميةَ كما مَقَتَهَا علماءُ المغربِ وغيرِهم من قبْل.

 

 

كما  قال الدكتور صالح بن عبد الله العبود -:

الوهّابية: لقبُ فرقةٍ انتشرتْ في الشمال الإفريقي، في القرن الثاني الهجري، على يدِ عبد الوهاب بن رستم، تُسمَّى “الوهابية” نسبة إلى عبد الوهاب هذا، وتُسمَّى أيضاً الرّستمية، نسبة إلى أبيه رستم، وهي فرقةٌ متفرقةٌ عن الفرقة الوهبيةِ الخارجية، و يُطلقُ عليها الوهبية، نسبة إلى مؤسسها عبد الله بن وهب الراسبي. ولمَّا كانَ أهلُ المغربِ من أهلِ السنةِ والجماعة؛ صاروا يناوئونَ تلكَ الفرقةَ الوهّابيةَ الرستمية؛ لأنها تخالفُ معتقدَ أهلِ السنةِ والجماعة، بل كفّرهمْ كثيرٌ من علماءِ أهلِ المغربِ القدامى، الذين توفوا قبل أن يولدَ الشيخُ محمد بن عبد الوهاب بمئاتِ السنين، فلما أظهرَ الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب على حينِ غُربةِ مُعتقدِ أهلِ السنةِ والجماعة، قائماً بالدعوةِ الإصلاحيةِ التصحيحيةِ على ضوءِ الكتابِ والسُّنَّة: لم يرقْ ذلك لأعداء التوحيد، وعبّاد القبور، وأصحابِ المطامعِ والأغراض والأهواءِ، فسحبوا هذه النسبة – الوهابية – على سبيل المغالطة الماكرة – إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، وإلى أنصارها، وأطلقوها عليها؛ لتنفيرِ الناسِ عنها، وصدِّهم عن سبيل الله تعالى، وإيهامهمْ بأنّ دعوة التوحيد مبتدعة، وأنها مذهب الخوارج.

 

وكذلك قال الشيخ عبد الحميد العربي الجزائري في الفرْقِ بين الوهابية الرستمية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية:

(إنّ أهل المآرب الفاسدة من رؤوسِ التصوُّفِ في شمال إفريقيا – أعاذنا الله من شرهم – انطلقوا في محاربةِ مُصلحٍ وعالمٍ من علماءِ المسلمينَ وهوَ الإمام العلاّمةُ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي الحنبلي السلفي انطلاقاً من محطةِ تاريخيةٍ مُظلمةٍ لا تَمُتُّ بِصِلَةٍ إلى منهجِهِ النقي، هذه المحطةُ هي الوهابية الرستمية الخارجية التي ظهرت في شمال إفريقيا، ثم أرادوا بحِيَلِهِمْ الماكرة، أو بالجهلِ المُطبِّق بالتاريخِ أن يُلبسوها دعوة محمد بن عبد الوهاب السنية النقية التي تسيرُ على منهجِ الصحابةِ الكرامِ والأئمة الأربعةِ الأخيار، تحقيقاً للمشروعِ الصليبيِّ الفاتكانيِّ الذي كانَ يتخوّفُ مِنْ أن تجتمعَ كلمةُ المسلمينَ في شمالِ إفريقيا على منهجِ الكتابِ والسنَّةِ وما كانَ عليه السلفُ الصالحُ، وهكذا يصنعُ الأعداء وأعوانُهم من أهلِ البِدَعِ والفُرقة حين يُفلسون في بابِ الحجة.

وقد اعتبرَ الإمام العلاّمةُ عبد العزيز بن باز رحمه الله في جزئه (الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته) (ص: 27-28) خصومَ الشيخِ محمد بن عبد الوهاب ثلاثة أصناف:

1- (علماءٌ مخرفون، يريدون الحقَّ باطلاً والباطلَ حقاً، ويعتقدون أن البِناءَ على القبور، واتخاذَ المساجد عليها، ودعاءَها، والاستغاثةَ بها من دينِ الله، ويعتقدون أن من أنكرَ ذلكَ فقدْ أبغضَ الصالحين، وأبغضَ الأولياء، وهو عدوٌّ يجب جهاده.

2- وقسمٌ آخر من المنسوبين للعلمِ، جَهِلُوا حقيقةَ هذا الرجل، ولم يعرفوا عنه الحقَّ الذي دعا إليه، بل قلدوا غيرَهُمْ، وصدَّقوا ما قيلَ فيهِ من الخرافيِّينَ المُضللين، وظنوا أنهم على هدى فيما نسبُوه إليه من بُغضِ الأولياءِ والأنبياء، ومن مُعاداتهم، وإنكار كراماتِهم، فذمُّوا الشيخ، وعابوا دعوتَه ونفروا عنه.

3- وقسمٌ آخر: خافوا على المناصب والمراتب، فعادوه لئلا تُمَدَّ أيدي أنصار الدعوة الإسلامية إليهم، فتُنزلَهم عن مراكزهم، وتستوليَ على بلادهم) اهـ.

ومن أراد أن يتوسعَ في معرفةِ الحقيقة، فعليه بكتابِ الدكتور محمد بن سعد الشويعر المسمى (تصحيحُ خطأ تاريخيٍّ حولَ الوهابية)، فإنه أجادَ وأفادَ في تصحيحِ الخطأ، وأتقنَ في ردِّ أباطيلِ المُدلِّسين، والمُزوِّرين للحقائق.

 

 

قال الدكتور الشويعر في كتابه السابق: (هذه هي الوهابية التي فرَّقت بينَ المسلمين، وصدرتْ بشأنِها فتاوى من علماء وفقهاءِ الأندلس وشمال إفريقيا، كما تجدون في كتب العقائد…..، أما دعوةُ الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي ناصرها الإمامُ محمد بن سعود رحمهما الله السلفية الصحيحة، فهي ضد الخوارجِ وأعمالِهم، لأنها قامتْ على كتابِ الله، وما صَحَّ من سُنَّةِ رسولِ الله، ونبْذِ ما يُخالفهما، وهم من أهل السنة والجماعة).

وقد ذكر الدكتور الشويعر في كتابه “تصحيح خطأ تاريخي” أسماءَ العلماء والملوك في المغربِ العربيِّ الذين اطَّلعوا بعلمٍ وإنصافٍ على دعوةِ محمد بن عبد الوهاب السنية، واقتنعوا بما جاءت بِهِ مِنْ حقٍّ ولذا ناصروها وذبوا عن حياضِها، وللفائدةِ أُضيف موقفَيْن لعالمين من علماء الجزائر لم يتطرَّقْ لهما الدكتور في جزئه تأكيداً لصنيعه.

قال الشيخ العلامة مبارك بن محمد الميلي، أمين عام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المتوفى في سنة (1364 هـ) في كتابِه العظيمِ (الشرك ومظاهره) (ص 38 ط/ دار الراية): (…وبعدَ تمامِ التأليفِ، وقبلَ الشروعِ في الطبعِ، وصلتْ هديةٌ من جدة، من الأخ في الله السيد محمد نصيف، تشتملُ على كتاب “فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد” لابن عبد الوهاب، فعلّقتُ منه فوائدَ ألحقتُها بموضِعِهَا مَعْزُوَّةً إليه، ولو اطَّلعت عليهِ قبْلَ كتابةِ الرسالة؛ لخفَّفَ عليّ من عناء ابتكارِ العناوين وتنسيقِها) اهـ.

فهلْ يتصورُ عاقلٌ وخبيرٌ بمنهج جمعية علماء المسلمين الجزائريين أن الشيخ مبارك الميلي السّني يشيد بكاتبٍ، وينقلُ منه فوائدَ يضمُّها إلى كتابِه وصاحبُه ضالٌّ خارجي؟

وسُئِلَ الشيخ عبد الحميد بن باديس عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فقالَ كما في آثاره (5/32): (لم يدعُ إلى مذهبٍ مُستقلٍّ في العقائد، فإنّ أتباعه كانوا قبلَهُ ولا زالوا إلى الآن سُنِّيين سلفيِّين).

وأنصحُ طلبةَ العلم وروادّ المعرفةِ بقراءةِ ما كَتَبَ صاحبُ المعالي الفقيه سيدي محمد الحجوي وزير المعارف بالمغرب الأقصى في مجلة (الصراط السوي) العدد الثالث الصادر يوم الاثنين في قسنطينة 25 سبتمر 1933 التي تُصدرُها جمعيةُ العلماءِ المسلمين الجزائريين تحتَ إشرافِ الشيخ عبد الحميد بن باديس، تحت عنوان “الوهابيون سنيون حنابلة”، ومعه وجوباً “إيضاح وتعليق” على مقال صاحب المعالي كتبه محمد السعيد الزاهري الجزائري العضوُ الإداريُّ لجمعيةِ العلماءِ المسلمين الجزائريِّين في العددِ الخامسِ الصادرِ يوم الإثنين 16 أكتوبر سنة 1933 ميلادية.

إن دعوة محمد بن عبد الوهاب الحنبليِّ، ودعوة علماء المسلمين في الجزائر تصبُّ في حوضٍ واحد، فمن أرادَ أن يُفرِّقَ بينهما فدونه خرط القتاد، ومن قرع الطنابيب ليُحارب الوهبية فليحارب معتقد الخوارجَ وأجدادِهم من الرستميينَ الفارسيينَ الذين يسعون في الجزائر فساداً إن كان شجاعاً وذا إلمامة بالتاريخ، وما أظن رؤوسَ التصوفِ تفعلُ هذا لأنها لا ترى في الخوارج خطراً على منهجها الباطل، ولهذا لا نجد لهم مقالاتٍ يُحذِّرونَ فيها من الخوارجِ ومذهبِهِمْ الفاسدِ على بشاعةِ جُرْمِهِمْ في الجزائر، بل المُتتبِّعُ للعشريةِ السوداء يَعْسُرُ عليهِ أن يجدَ محطةً مُشرِّفةً للصوفية في مقارعةِ الخوارجِ وأضرابِهِمْ من الأزارقةِ والله المستعان.

إن الخطةَ الإستراتيجيةَ التي هي عند رؤوسِ التصوُّفِ تجعلُهم يُسالمون الخوارجَ، ويسكتونَ على جرائمِهِمْ البشعة، وفي الوقت نفسه يُعلنونَ حرباً قذرةً مِلؤها الكذبُ والتدليسُ على دعوةِ إصلاحٍ طاهرةٍ أحيا معالمَها محمد بن عبد الوهاب الحنبلي التميمي، لأنها دعوةٌ بُنِيَتْ على الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المُنكر، وأُسِّستْ على تطهيرِ الأرضِ من الشركِ والبِدَعِ والكذبِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كله يُعرِّي الصوفيةَ من لباسِهَا المُزوَّرِ ويكشفُها للعقلاءِ بأنها دعوةٌ مبنيةٌ على المناماتِ والخيالاتِ والأكاذيبِ والأحاجي الباطلة، فكيف تصلحُ لأن تكونَ منهجَ حياة، وعمودَ دولة في عصرِ التحدِّيات والعولمة.

إن دعوةَ محمد بن عبد الوهاب التميمي الحنبليِّ الإصلاحيةِ السنيةِ شَهِدَ لها بالخيرِ المُنصفون، وأثبتتْ وجودَها بعونِ الله تعالى، فكانتْ سبباً في قيامِ دولةٍ إسلاميةٍ تحكمُ بشريعةِ الله الغرَّاء، وتقومُ على نصرةِ قضايا المسلمين المصيرية، ذنبُهَا الوحيدُ أنها دَعَتِ الناسَ إلى منهجِ الأنبياءِ المبنيِّ على التوحيدِ الخالص، وحذَّرت المُسلمين من الشركِ والبدعِ التي يتخبَّطُ فيها كثيرٌ من الناس، وطَهَّرَتِ الحرمَيْنَ الشريفَيْنَ من جميعِ مظاهرِ االشرك والبدع.

إيجاز أردت به القاء الضوء على حقيقة هذا الدعوة المباركة التي أراد أعداءها تشويهها وتنفير الناس منها.

أن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

*مستشار صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز – أمير منطقة القصيم

*(1) ورقة القيت في مجلس سمو أمير منطقة القصيم بقصر التوحيد ببريدة