محاضرة بعنوان:
الترابط الأسري بوّابة السِلم الاجتماعي
محمد بن سليمان المهنا


الحمد لله رب العالمين…
أما بعد:
فعنوان هذه الورقة: الترابط الأسري بوّابة السِلم الاجتماعي.
وقبل أن أشرع في صُلبها أعرّج على معنى العنوان.
الترابط الأسري هو ما يكون بين أعضاء الأسرة الواحدة من التقارب والتلاحم والتعاون والتكاتف، وهو معنى ظاهر لا يحتاج إلى شرح، بل إن كلمة الأُسرة وحدها تحمل شيئاً من هذا المعنى، فإنه من المعلوم أن الأسرة في لغة العرب هي الجماعة التي يربطها أَمْر مُشْترَك، وأن هذا اللفظ مأخوذ من الأسر وهو القوة وإحكام الخلق، كما قال تعالى: (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم) وجاء في بعض المعاجم: أن أسرة الرجل هم رهطه وجماعته لأنه يتقوّى بهم.
وأما السِلم الاجتماعي فهو مصطلح حادث لمعنى قديم، ولعل أقرب تعريفاته: أنه الوفاق والوئام بين أفراد المجتمع بكل أطيافه وأطرافه.
وبما أن السلم الاجتماعي مظهر من مظاهر الأمن والسلام بمفهومه العام، وبما أن الترابط الأسري هو بوّابة السِلم الاجتماعي، فإنه يحسن بنا هنا الحديث عن الترابط الأسري، وعن علاقته الوطيدة بالأمن والسِلم الاجتماعي.
أيها الأكارم:
كل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآداب الشرعية المتعلّقة ببر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان وحقوق الزوجات والقرابات والأولاد، كلها تدعو وتؤدي إلى نتيجة وقيمة واحدة هي الترابط الأسري.
وقد كان النبي ﷺ أكرم الناس وأعظمهم أداء للحقوق عليه الصلاة والسلام.
كان يعتني أتم العناية بالزوجات، وبالأبناء والبنات، وبالأحفاد والحفيدات، كما كان يعتني عليه الصلاة والسلام بأمر القرابات.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً، برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة: كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها) رواه البخاري.
هذا الموقف العظيم المتكرر يدل على عناية عظيمة من النبي ﷺ بأسرته، ففيه دلالات لا تخفى على المتأمل منها أن الحُب لا يكفي بل لا بد من الحب مع الاحترام، فالعلاقة الطيبة بناء يدوم ويثبت بإذن الله على ركنين مهمين: الحب والاحترام،
‏ومتى ضعف أحد هذين الركنين تهاوى ذلك البناء، ولذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: لا تُقَصّر في حقّ أخيك، اعتماداً على مودّته. يعني أن الحب والمودة والميانة لا يجوز أن تكون سبباً للتقصير في الحقوق، بل على العكس من ذلك، ينبغي أن تكون سبباً للاهتمام بالحقوق.
كثير من المشكلات في المجتمع سببها التفكك الأسري، فاعتناق الشاب للأفكار المنحرفة وانضمامه للفئات الضالة والعصابات المجرمة، ووقوعه في أوحال المخدّرات، وغير ذلك من السيئات، سببه الأهم غياب دور الوالدين بشكل خاص والأسرة بشكل عام.
ولذا فإن من أهم المهمّات وأوجب الواجبات قيام الوالدين بما عليهم من الحقوق تجاه أولادهم وذلك ببذل الوسع في التربية والملاحظة والتحصين وإبقاء حبل الصلة بين الوالدين والأولاد ممدوداً قوياً، فالولد (من ذكر أو أنثى) الذي يتمتع بعلاقات طيبة حميمة مع والديه وأسرته قل أن ينحرف، وإن حصل منه شيء من ذلك كانت العلاقة سبباً لعودته للصواب بإذن الله.
أيها الإخوة:
المسؤولية على الوالدين كبيرة جداً، فإن سيطرتهما على الأبناء سهلة ميسورة، وهي مؤثرة غاية التأثير، بخلاف مسؤولية غيرهما فإنها أصعب وأقل أثراً.
الدولة مثلاً عليها مسؤلية، لكن المسؤولية المباشرة المؤكّدة إنما هي على الوالدين، والدولة مهما فعلت فلن تستطيع الإحاطة وذلك أن الدائرة كلما اتسعت صعبت الإحاطة بها، أما الوالدان فمسؤوليتهما مباشرة مؤكدة، والتوفيق والهداية من الله تعالى.
الترابط الأسري بما فيه من المحبة والإكرام والاحترام والتكافل سبب لاستقرار الأسر وقلة التنازع وفشو السلام في المجتمع، فالأسرة المترابطة تقضي دين المعسر وتعالج المريض وتدفع الدية عن أفرادها، ولذلك سُمّيت بالعاقلة، والعاقلة هم العصبة، يحملون عن قريبهم دية قتل الخطأ، سُميت عاقلة لأنها تعقل أولياء المقتول أي تمنعهم عن الاعتداء على القاتل، وقيل: بل لأن إبل الدية تُعقل في أفنية بيوتهم.
وهنا فائدة لغوية استطرادية:
نحن في هذه البلاد نسمي الأسرة أو العائلة: الحمولة، وهذا اللفظ فيما أظن (اقول فيما أظن لأن هذا الكلام إنما هو نتيجة تأمل لا نتيجة بحث) أقول: لفظ الحمولة مأخوذ من الحمل فأسرة الرجل تحمل عنه دية قتل الخطأ كما ذكرت في تعريف العاقلة، ومن هنا سُميت حمولة، وإلا فلفظ الحمولة أُطلق في القرآن على الدواب المركوبة كما قال تعالى في سورة الأنعام: (ومن الأنعام حمولة وفرشا).
ومِن مظاهر الترابط الأسري احترام أعضاء الأسرة بعضهم لبعض، وهذا سبب رئيس مهم جداً في الاستقرار وذهاب الأحقاد والإحن والخلافات.
واسمحوا لي بهذا المثال الواقعي المناسب لمجتمعنا.
في مناسباتنا تهتم كثير من الأسر بمسألة تقديم الكبير في المجالس وهذه مسألة مهمة والإخلال بها يوغر الصدور ويسبب الخلافات.
وقد رأيت في بعض المجالس من لم يلتزم بهذا الأمر وكان ذلك سبباً في القيل والقال ونشوء المشادات الكلامية والأحقاد القلبية.
ولعله من الواجب علينا وقد ورثنا هذه المعاني الجليلة عن آبائنا أن نورّثها إلى أبنائنا، فهذه أمور لا يجدونها في الكتب ولا في مقاعد الدراسة كما يجدونها في مجالس الرجال وتجاربهم.
ومما يُذكر فيُشكر ويُحتذى التزام الأسرة الحاكمة في بلادنا بذلك بدقّة متناهية تبعث على الإجلال والإكبار، وفّقهم الله وحفظهم.
أيها الإخوة: في مسألة الترابط الأسري والتفكك الأسري يتفوّق المسلمون على غيرهم تفوّقاً عظيماً يدعو إلى السرور والاعتزاز، فبر الوالدين وصلة الأرحام والترابط بين الأقارب حاضرة بقوّة وجمال في مجتمعات المسلمين، وغائبة إلى حد كبير في المجتمعات الأخرى.
ومن خلال خبرة متوسطة بالمجتمع الغربي (حيث سكنت في أمريكا سنتين) مبعوثاً من قِبل الدولة إماماً وخطيباً وداعية في جامع الملك خالد بمدينة لوس انجلس، أقول: إن بيننا وبينهم تبايناً عظيماً في هذا المجال، وأظن والله أعلم، أن مسألة بر الوالدين هي المسألة الأبرز في هذا المجال، فنحن نوليها أعلى درجات الاهتمام، وهم يهملونها أشد الإهمال، وفي كتاب (يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة) وهو كتاب مترجم لمؤلفين أمريكيين، الكثير من الدراسات والإحصاءات الخاصة بالأسرة والمجتمع في أمريكا.