ربّما لم يُقْدِم باحثٌ غربيّ، على كتابة سيَر قادة متتالين من بلد واحد، بمثل ما قام به الكاتب الفرنسي جاك بنوا ميشان (J. Benoist – Méchin) الذي أرّخ للملك عبد العزيز وخليفتيه سعود وفيصل في ثلاثة كتب.
أسهمت كتابات ميشان عنهم وعن غيرهم، في إثراء أوعية المعرفة المطبوعة في مجتمع مثل فرنسا كان منقطعاً إلى حدٍّ ما عن الأوضاع والأحوال السياسيّة في الجزيرة العربيّة بخاصّة، وهي كتب تُضاف إلى ما كتبه عن المنطقة مؤرّخون ورحّالة فرنسيّون سابقون من أمثال مانغان وتاميزييه وديدييه، وإلى ما ظهر في دول أوروبيّة مجاورة لفرنسا مثل كتب محمد أسد وفيلبي ولورنس وآرمسترونغ وغيرهم، من كتب تناولت تاريخ المنطقة، ونشأة كيانات الجزيرة، وسير مؤسّسيها، وتُرجم بعضها إلى الفرنسيّة.
يُكتب هذا المقال بمناسبة الذكرى الـ(89 الميلاديّة) لليوم الوطني للسعودية، ويُركّز على الكتاب الأول: ابن سعود، ميلاد مملكة، الصادر بعنوانه الفرنسي (ibn – seoud ou la naissance d›un royaume 1955) عن دار النشر الباريسيّة «ألبين ميشيل» (في 453 صفحة) ونَـقَله إلى العربيّة الدبلوماسي السوري (السعودي لاحقاً) عبد الفتّاح ياسين (ت 2004) وهو ابن عم المستشار السياسي يوسف ياسين، ثم ترجمه (في 650 صفحة) الأديب اللبناني رمضان لاوند، مترجم أعمال يكتور هوغو: «عمّال البحر»، و«أحدب نوتردام» (ت 1995). وسيستذكر هذا المقال القراءة النقديّة المعمّقة للعلّامة حمد الجاسر (ت 2000) عن الكتاب في ترجمتيه.
عاش بنوا ميشان في مطلع شبابه حياةً قلقة بتوجّهٍ يميني، تعاون من خلاله مع ألمانيا النازيّة (حكومة يشي) مراهناً على انتصارها وألّف كتباً في هذا الاتّجاه، وبعد انتصار فرنسا حُكم عليه بالإعدام ثم عُفي عنه عام 1954، وقد عُرف بالسعي للتقريب بين العرب وفرنسا بمشاعر ودٍّ واضحة تجاه العرب، وقام برحلات إلى الشرق مُعجباً بأشخاص ناجحين مع اختلاف توجّهاتهم، كأتاتورك الذي سماه «الذئب الأزرق» وخصّه بكتابه «موت إمبراطوريّة»، والملك عبد العزيز الذي بدأ ميشان يكتب سيرته هذه وهو في السجن عام 1947، وانتهى منها عام وفاة الملك 1953 في فترة كانت معرفته بالشرق أقل، وكان كتابه عن الملك فيصل بن عبد العزيز آخر كتبه عن الشرق في حياته.
لم يلتقِ ميشان الملك عبد العزيز رغم أنهما تجايلا، وإنما كانت له علاقات مباشرة مع الملكين سعود وفيصل وأفراد من الأسرة المالكة ومع شخصيّات عربيّة أخرى، وقام – كما قال – بجهود وساطة بين فرنسا ومصر، وبين فرنسا والمغرب، غير أن كتبه التي تُرجمت إلى لغات عدّة وتميّز تعريبها بالسلاسة، لم تتّسم صياغتها بطابع أكاديمي، وإنما استقى معلوماته فيها من المراجع الفرنسيّة والبريطانيّة والألمانيّة، واعتمد على روايات شفهيّة ونقولات من كتابات لورنس وفيلبي وآرمسترونغ ودي غوري وفيليب حتّي، ولهذا جاء كتابه سرداً لقضايا وأحداث واستشهادات كوّن منها سيرة الملك عبد العزيز.
جدير ذكره أن ميشان كان أول من أطلق تعبير «الربيع العربي» قبل وقوعه بنحو خمسين عاماً بإصداره كتاباً بهذا العنوان عام 1959 ترجمه جورج مصروعة (ت 2008).
أفاض ميشان في بداية كتابه بمقدّمة تاريخيّة وأثريّة، استغرقت ربع الكتاب، بما مرّ بالجزيرة العربيّة وصحرائها من متغيّرات مناخيّة وبيئيّة قديمة، وأنها كانت لخصوبة واحاتها ومراعيها مَعبراً لكائنات حيوانيّة بين أفريقيا والهند، وقامت فيها – نقلاً عن الجغرافي المصري اليوناني بطليموس وغيره – حضارات وممالك وإمبراطوريّات محيطة في العراق وبلاد الشام ومصر، وهجرات بشريّة من الجنوب إلى الشمال، وفتوحات وغزوات وأسواق تجاريّة وتراثيّة، وأحداث ولغات ومؤثّرات في أطباع أهلها في غابر الزمان، مشيداً بالظروف التي تكوّنت بها اللغة العربيّة المشتركة بين مجاميعها البشريّة، مروراً بالخلافة الإسلاميّة وبموجات الانتشار والانحسار التي مرّت بعواصمها، وانتهاءً بنشأة الدولة السعودية في دوريها الأول والثاني، مشيراً إلى مراحلها وعلاقاتها بالقوى المحيطة بها. وانفرد، مستنداً إلى الوثائق الفرنسيّة، برواية اتّصالات واجتماعات جرت عام 1811 بين رسول نابليون والدولة السعودية الأولى، لتسهيل مرور القوات الفرنسيّة إلى الهند عبر الجزيرة، وذلك قبل سبعة أعوام من غزو العثمانيين لعاصمة السعوديين الأولى (الدرعيّة)، مما أدّى لانحسار إمارتهم في دورها الأول (1818).
وروى المؤلّف انطلاقة الدورة الثالثة للدولة بقيادة عبد العزيز آل سعود (1902) وظروف تكوين جيش البادية المسمّى شعبياً في السعودية (إخوان من طاع الله) الذين امتازوا بروح دينيّة وبأسٍ قتالي عالٍ، وتناول بالذكر أجواء نشوب الحرب العالميّة الأولى، وتقاسم إنجلترا وفرنسا الأراضي العربيّة بوضعها تحت الانتداب، ومشروع بريطانيا الرامي لإقامة دولة عربيّة هاشميّة، ثم تغيّر موقفها بعد إلغاء أنقرة الخلافة العثمانيّة (1923) وزحْف السعوديين نحو مكة المكرمة وجدة (1924 – 1925) مما أدّى إلى ضمّ الحجاز إلى دولتهم، وأن بريطانيا لم تكن حريصة على خوض نزاع برّي مع جيش سعودي غالبه من البدو، ولكنها حاولت صدّ التوسّع في الإمارات الواقعة في محيط الجزيرة (اليمن وعُمان) واعترفت بعبد العزيز ملكاً للمملكة الجديدة، بما فيها الحرمان الشريفان.
وصف الكتاب في جزئه التالي مراحل توحيد المملكة العربية السعودية (1932) وكيف نمت وتطوّرت مع الحفاظ على قيَمها الدينيّة، وأشار إلى عقود شركات النفط الأميركية، وإلى مقابلتَي الملك ابن سعود مع تشرشل وروزفلت (1945) وإلى اتجاهات السياسة الخارجية السعودية.
وختم بنوا ميشان كتابه بالإشارة إلى أن المملكة أصبحت قوّة كبرى في المنطقة، وأن أميركا تنظر إليها كحليفة استراتيجية مهمة، وأشار إلى أن جهود الوحدة العربية تأثّرت بتغيّرات الأنظمة والحكام والآيديولوجيّات، ويذكر أخيراً وفاة ابن سعود في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953 وتولّي نجله سعود مقاليد الحكم بعده.
العلامة حمد الجاسر، غارفاً من مخزونه المعرفي بمصادر التاريخ المحليّة، نشر عام صدور الترجمة الأولى للكتاب (عبد الفتّاح ياسين، 1965) في سبع حلقات بمجلّة «اليمامة» قراءة نقديّة معمّقة للكتاب، أنصف فيها جهد المؤلّف لرصده وتصويره اللّغوي، مُثنياً عليه بالقول: «إن كتابه يدل على تعمّق في دراسة التاريخ العربي، قديمه وحديثه».
وامتدح ما تُخلّفه تساؤلات بعض الغربيين من استنتاجات يتوصّلون إليها بعدما ينظرون إلى الحوادث التاريخيّة نظرة محيطة من جميع زواياها.
وبعد عشرين عاماً من صدور ترجمة ثانية للكتاب تولّاها رمضان لاوند (1976) نشر الشيخ الجاسر بحثاً مستفيضاً آخر من حلقتين في جريدة «الرياض» أثنى فيه على مهارة المترجم لاوند وعلى إضافاته التصويبيّة للمعلومات الدينيّة التي تضمّنها الكتاب، وأورد الجاسر معلومات مفيدة عن سيرة المترجم ومعرفته به في أثناء إقامة الشيخ بلبنان في الستّينات، كما أضاف معلومات أخرى عن سيرة المؤلّف (ميشان) وقائمة بمؤلّفاته الأخرى، ولفت الشيخ نظر الدارسين والباحثين العرب في فرنسا إلى مثل هذا الكتاب.
وأشاد الشيخ الجاسر بالخيال الشاعري الذي استخدمه المؤلّف في رواية التاريخ، وصوّب المعلومات المنقولة في نصوص الكتاب من مراجع أخرى، وبخاصّة تلك المتعلّقة بالأنساب وباختلاف تواريخ الحوادث المحلّيّة، أو الأسماء المصحّفة للأعلام ولأماكن الجزيرة ومواقعها، وغيرها من الهفوات التي يقع فيها المترجمون والمؤرّخون، وقد لا يلام عليها الغرباء منهم، كما يقول.
وفي ختام كلامه عن الكتاب، عرّج الجاسر بالحديث عمّا يعتري ترجمات الكتب من تصرّفات وعيوب، ثم نقل في ختام تقريظه لهذا الكتاب، قول المؤلّف بنوا ميشان «لقد حَمَلتْ كتاباتي فكري كلّه إلى ما وراء فرنسا، إلى حيث لا يستطيع صوتي أن يذهب، كنتُ أردّد دون انقطاع: لنُحيي ولادة عالم عربي حرّ وموحّد، ذلك لأننا في حاجة إليه، قدر حاجته إلينا، إن بعضنا يحتاج إلى بعض، لأننا نتكامل معاً… إلخ».

– المقال الثاني من آخر مقالين كتبهما الراحل وكنا قد نشرنا
المقال الأول قبل أيام.

عبدالرحمن الشبيلي